فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها، فتواعدوا على أنهم في الليلة الثالثة من شعبان - وهي ليلة الجمعة - يضرب طبل في الليل، فيجتمع الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه، وأنفق طالب وأبو هارون في أصحابه دينارا دينارا، وكان من جملة من أعطوه رجلان من بني أشرس يتعاطيان الشراب. فلما كانت ليلة الخميس شربا في قوم من أصحابهم، واعتقدا أن تلك الليلة هي ليلة الوعد، وكان ذلك قبله بليلة، فقاما يضربان على طبل في الليل ليجتمع إليهما الناس، فلم يجئ أحد، وانخرم النظام، وسمع الحرس في الليل، فأعلموا نائب السلطنة - وهو محمد بن إبراهيم بن مصعب - وكان نائبا لأخيه إسحاق بن إبراهيم، لغيبته عن بغداد، فأصبح الناس متخبطين، واجتهد نائب السلطنة على إحضار ذينك الرجلين، فأحضرا فعاقبهما فأقرّا على أحمد بن نصر، فطلبه وأخذ خادمًا له، فاستقره فاقره بما أقر به الرجلان. فجمع جماعة من رؤوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى، وذلك في آخر شعبان. فأحضر له جماعة الأعيان، وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وأحضر أحمد بن نصر، ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شيء مما كان منه في مبايعته العوام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره، بل أعرض عن ذلك كله، وقال له: (ما تقول في القرآن؟) فقال: (هو كلام الله) قال: (أمخلوق هو؟) قال: (هو كلام الله) . وكان أحمد قد استقتل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما يسترها. فقال له: (ما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة؟) فقال: [يا أمير المؤمنين قد جاء في القرآن والسنة الإخبار بذلك، قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته) ، فنحن على الخبر] . زاد الخطيب: قال الواثق: (ويحك! أيرى كما يرى المحدود المتجسم؟! ويحويه مكان، ويحصره الناظر؟! أنا أكفر برب هذه صفته) . قلت: وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم. ثم قال أحمد بن نصر للواثق: (وحدثني سفيان بحديث يرفعه: أن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الله يقلبه كيف شاء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) . فقال له إسحاق بن إبراهيم: (ويحك! انظر ما تقول) فقال: (أنت أمرتني بذلك) ، فأشفق إسحاق من ذلك، وقال: (أنا أمرتك؟!) قال: (نعم أنت أمرتني أن أنصح له) . فقال الواثق لمن حوله: (ما تقولون في هذا الرجل؟) فأكثروا القول فيه، فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل، وكان موادا لأحمد بن نصر قبل ذلك: (يا أمير المؤمنين هو حلال الدم) وقال أبو عبد الله الأرمني - صاحب ابن أبي دؤاد: (اسقني من دمه يا أمير المؤمنين) فقال الواثق: (لا بد أن يأتي ما تريد) وقال ابن أبي دؤاد: (هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل) .