فهرس الكتاب
بقلم الشيخ: صالح بن سعد الحسن
يقال أحيانًا أن الأمة إنما تفتقد قائدًا يقودها إلى العز والكرامة، ويسوسها بشرع الله لتنقاد لأحكام الملة، وهذا الحصر غير صحيح .. فالأمة تحتاج إلى قادة يستثيرونها ويوجهونها ويقودونها بلا شك لكن ليس هذا هو السبب الوحيد بدليل وجود قادة وساسة كثر في عالمنا اليوم يستنهضون الأمة ويحثونها على الجهاد والاجتهاد ومع ذلك تبقى الأمة متثاقلة إلى الدنيا متباطئة الخطى عن سلوك سبل السلام فثمة أسبابٌ أخرى كثيرة تحول بين الأمة ونهضتها من أبرزها المرض الذي ترسخ في الأمة بسبب طول عهدها به وإلفتها له ألا وهو الذل ومثله اليأس من روح الله ومثله ضعف اليقين بنصرة الله ومثله التواكل وغير ذلك من الأسباب المعنوية التي تعبث بقلوب المسلمين وتؤخر نصرهم.
والذل والتواكل مرضان مرتبطان ببعضهما في قصة بني إسرائيل فهم لما استحكم الذل في واقعهم وتغلغل في قلوبهم أبوا الجهاد في سبيل الله مع أن أفضل الخلق في وقته كان بين أظهرهم بل وفي مقدمتهم فأي قائد يرجونه أفضل من موسى عليه السلام؟! لا أحد .. إذن الخلل كان في أنفسهم وواقعهم، ومهما وجد بينهم أفضل الناس وأتقاهم وأشجعهم فلن يكون ذلك كفيلًا بتحركهم وقيامهم بواجبهم الشرعي في التمسك بالتوحيد والدعوة إليه والجهاد في سبيل الله، ولذلك قالوا لنبيهم في خذلان عجيب: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) ومرة أخرى قالوا:) يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).
وكذلك الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى لما طالبوا نبيهم بأن يختار لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله نكصوا على أعقابهم وقال الله عنهم: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (البقرة: من الآية 246)
وكذلك هذه الأمة قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ) )فمن ثم لا عجب أن تجد هذه الأمة وقد أصابها الذل قرونًا طويلة حتى أصبح وجود القادة فيها ضعيف التأثير عليها نظرًا لتواكل الناس عليهم وإحساسهم بالعجز والضعف إلى حدٍ يصعب معه إقناعهم بخطأ هذا الإحساس أو على الأقل المبالغة فيه بشكل مخذل مقعد عن العمل.