إذا أراد صاحب الدين أن يجاهد بعين المال الذي يطلبه من المدين، ولم يكن الدائن يستطيع الجهاد بدون هذا المال، إلا إن احتاج المسلمون إلى المدين بخصوصه فيقدَّم.
ولا فرق بين الغريم الكافر محترم المال والمسلم في الاستئذان، لأنَّ الاستئذان من حفظ حقه.
ومن خالف في الصور التي يجب فيها استئذان الغريم فهو عاصٍ مستوجبٌ للإثم بخروجه من هذا الوجه، وجهاده صحيحٌ، بل وذنوبه الكبائر والصغائر مغفورة، ومنزلته منزلة الشهداءِ، والجهة منفكّةٌ بين هذا وهذا، لذا أثبت النبي صلى الله عليه وسلم مغفرة الذنوب للشهيد إلا الدين، وثبوتُ أثر الشهادة من المغفرة فيما عدا الدَّين دليلٌ على صحَّة الشهادة، وقد أشار إلى هذه الفائدةِ الشوكانيُّ في نيل الأوطار بقوله: ولا يخفى أن بقاء الدين في ذمة الشهيد لا يمنع من الشهادة، بل هو شهيد مغفور له كل ذنب إلا الدين.
وأمَّا من خرج في الصور التي يسقط فيها إذن الغريم ولا يجب استئذانه، وفعل ما أمره الله عز وجل به، ثم قُتل فليس عليه من الإثم شيءٌ، لأنَّه لم يفعل إلا ما أمره الله به، ويستحيل أن يفعل ما أُمر به ويأثم على ذلك، ولا يُمكن أن يُخيِّره الشارع بين إثمين لا بد له من أحدهما: إثم القعود الذي لا يُباح بالدين، وإثم الدين الذي لا يُغفر بالشهادة، بل لا ريب أنَّه إن امتثل ما أُمر به دون مخالفة، لم يلحقه من الذمِّ ولا من الإثم شيء، مع بقاء استحقاق الغريم للمال، واستحقاقه المطالبة بالدين، والشهيد المدين إمَّا أن يُؤدِّي الله عنه في الدنيا، وإمَّا أن يُرضي الله خصمه في الآخرة، وهذا يُعرف بالاضطرار من دين الله، وعدله وسعة رحمته وحكمته، وإخباره بكفالته وضمانه لمن خرج في سبيله.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
من أقوال الشهداء
يروي ممدوح الديري: أنه أثناء محاكمة سيد قطب رحمه الله تعالى - وكان ممدوح معه في القفص - اقترب أحد الضباط منه، وسأله عن معنى (شهيد) فرد عليه سيد قطب قائلًا: شهيد ... .. يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى من حياته.
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومن ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما
حصين بن حمام