فهرس الكتاب
بقلم: عبد الرحمن بن سالم الشمري
طالعتنا وسائل الإعلام بالجرائم الفظيعة المرتكبة في أبي غريب، في حق إخواننا المسلمين الأسرى، والتعذيب إذا كان على الجسد أليمٌ شديدٌ، لكنَّ التعذيب المُهين آلمُ وأشدُّ على النفس، فالحرُّ يصبر على الآلام ولا يصبر على الذل والهوان.
علينا أن نتذكَّر مرارًا حين يهمُّ أحدنا أن يذكر صنوف التعذيب فيشقُّ على نفسه، ويتألَّم لذلك، أنَّ وقع التعذيب نفسه أشدُّ وأنكى، وأنَّ من وقع في التعذيب يتمنَّى لو كان يسمع ذلك كلامًا، ولا يعيشه واقعًا.
هذه الجريمة الأمريكية في سجون أبي غريب لو تأمَّلناها هي في الحقيقة طابور طويل من الجرائم، وأمريكا إنَّما هي العنصر الأبرز فيه، أمَّا طابور المجرمين فيشمل علماء السوء الذين لم تتحرَّك منهم شعرة ولم يرفَّ لهم جفن، بل هم أموت الناس قلوبًا، بين أضلاعهم حجارةٌ صمٌّ، بل إنَّ من الحجارة ما فيه شيء من اللين فيهبط من خشية الله حين يتشبَّث العملاء بأبراجهم العاجيَّة، وإنَّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار حين تبخل عيونهم بدمعة وألسنتهم بكلمة في نصرة المسلمين المستضعفين، إلا كلمات قليلة للذين يعرفون التجارة ممن يسمون مشايخ الصحوة، ممن يستغل مثل هذه الأحداث للمساهمة في مشاريعه التجارية، لا للمساهمة في نصرة المسلمين.
ويشمل الطابور كذلك الحكام المرتدّين الخونة، والقاعدين المتفرجين، والصحفيين المستأجرين، وغير هؤلاء ممن لا يحتاجون إلى التعريف بهم وهم يرفعون لافتات العمالة بأنوارها الساطعة التي تشعُّ ظلامًا وعمىً.
أمريكا على فرط ظلمها وطغيانها وجبروتها وقوتها المادية، أعلنت اعتذارها عما صنعت، وهو والله عذر لا يُجدي ولا ينفع، حتَّى تجري دماؤهم أنهارًا، وتسحل جثثهم في شوارع العالم كلّه.
أمريكا تعترف وتعتذر وتعد بعقوبة الفاعل .. لكن هناك من يفعل ويُنكر، وإذا اعترف استكبر عن الاعتذار .. وضباط التعذيب الذين يفعلونه بأوامر عليا يكرّمون ويستمرون فيما هم فيه.
حين تُبتلى فتعلم أنَّ محبيك يرقُّون لك، ويشعرون بما أصابك، فإنَّ في ذلك لمواساةً وتهوينًا للمصيبة وهي بعد ذلك جللٌ عظيمةٌ ..
أمَّا حين تكون رهين المحبسين .. جسدك محبوس في الزنازين، وأخبارك محبوسةٌ عن الناس لا يُعلم بك ولا يُرثى لحالك .. فذلك تقطُّع النفس حسرات، وخروج الروح زفرات، موتٌ لولا أنَّه يتألَّم ويبكي بالدمع والدم!!
طواغيت العرب، يهود بني عربان كما سمَّاهم القائد خطَّاب رحمه الله تعالى، أكفر وأخسُّ وأنذل وأرذل من طواغيت العجم، هذه حقيقةٌ متفقٌ عليها، وأعني بالاتفاق أنه متفق عليها بين أهل العقل والحكمة، وبين بقية الآدميين عدا من فقد الآدمية من الكلاب اللاهثة خلف المادة ..
إنَّ سجون الطواغيت عامَّة، وسجون طواغيت بلاد الحرمين التي هي موضوع المقال، لتحمل آلامًا يعجز اللسان عن وصفها، وما عجزه إلاَّ لعجز العقول عن تصوُّرها ..
هل نسترسل في الوصف .. أم نذكر قصصًا حديثة .. هل نحن بحاجة إلى تجسيد الألم الذي يلقاه السجناء؟ هل في القراء من يعرف ألم نزع الأظافر؟! هل منكم إخوتي الكرام من جلس على كرسي الكهرباء؟! هل فيكم من جلس كرسي آخر فيه مسمارٌ كبير يدخل في مقعدة المعذَّب - أجلَّكم الله -؟!
نعم نسأل الله العافية .. ولكننا نسألها لنا ولإخواننا أيضًا .. "لا يُؤمن أحدكم حتَّى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".