الصفحة 707 من 1360

بقلم الشيخ: صالح بن سعد الحسن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن وقوع المسلم في الأسر مصيبة من جملة المصائب التي يبتلي الله بها عباده، وقد حاول كفار قريش أن يصيبوا النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك حين اجتمعوا في دار الندوة لينظروا في أمره قبل هجرته إلى المدينة فتردد رأيهم بين قتله أو إخراجه أو أسره قبل أن يستقروا على قتله ولكن الله نجاه منهم برحمته، قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) وفي الجهاد يعترض طريق المجاهد شيء من الابتلاءات إما بالهزيمة لتقصيره في حق الله، أو تفريطه في أخذ العدة للحرب، وإما بالجراح، وإما بالأسر، وكلها تعود عاقبتها إلى خيرٍ للمؤمن كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أمر المؤمن كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له وليس ذلك إلا للمؤمن) فأما الهزيمة فتنقي الصف المؤمن كما قال تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: 141] وأما الجراح فتزيد من الأجر كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى اللون لون الدم والريح ريح المسك) وأما الأسر فبلاء وامتحان، قال ابن جرير رحمه الله في قوله تعالى: (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ) [التوبة: 14] : (يخزهم: يذلهم بالأسر والقهر) فالأسر فيه ذل وقهر، قال الإمام أحمد رحمه الله: (الأسر شديد) لذا قال رحمه الله في نفس المقولة: لا يعجبني أن يستأسر القتل أحب إلي، وقال الشيخ يوسف العييري رحمه الله متحدثًا عن قصة العين الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر عليهم عاصم بن ثابت رضي الله عنه:(وفي القصة جواز المقاتلة وجواز الاستسلام وكلاهما فعله بعض الصحابة هنا وإن كان القائد عاصم وأكثر من معه لم يقبلوا الاستسلام، ومن قبل الاستسلام فقد قتل بعد الأسر وناله شئ من الإيذاء، ولذا فإننا نختار ألا نستسلم للعدو بأي حال من الأحوال وهذا أخذ بالعزيمة وإنما الاستسلام رخصة كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله في الفتح 7/ 374 ونقل عن سفيان الثوري كراهة الاستسلام، قلت: ولا يبعد حرمته للقادة وأهل الشأن خاصة.

ولأن استسلام المجاهد مع ما فيه من الانهزام وشئ من الذل وما فيه من كسر قلوب المسلمين، وثلمةٍ في موقف المجاهدين، وما فيه من سرور العدو وغبطته وشماتته بالمجاهدين والمسلمين عامة ورفع معنوياته، مع ما في الاستسلام من جميع تلك المفاسد إلا أنه أيضًا لا يحقق للمستسلم ما خاف على نفسه منه وهو الموت فإنه سيصير إلى قِتلة أشنع وأذل مما سيقتل عليها لو لم يستسلم هذا إن لم يمر قبل ذلك على التعذيب والتنكيل وانتزاع المعلومات التي قد تضر غيره). [مجموع الدراسات الشرعية]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت