الصفحة 709 من 1360

فالنصيحة لكل من نور الله قلبه بنور الإيمان أن يتقي الله في نفسه وإخوانه وأمته وليتبوأ منزلته التي أرادها الله لمن آمن به، وفضله بها على كثير ممن خلق تفضيلًا، واعلم أخي أن السجن بلاء سراؤه وضراؤه، فأما الضراء فما يعرفه أكثر الناس وينفرون منه بطبعهم من ألوان التعذيب والأذى الجسدي والنفسي، وأشد من ذلك الفتنة في الدين فمن سماعٍ لكلمات الكفر والزندقة وسب الله والدين والرسول إلى تعذيب يحطم نفسية المسلم ويخوفها وربما أدى به إذا خرج من السجن أن يترك طريق الجهاد وينكص عن الحق الذي علمه من قبل، ولربما أجبره الطواغيت على أن يكون لهم عينا على إخوانه ويجندوه لحسابهم بعد أن يهددوه بصور أو وثائق يخضع بعدها لمطالبهم، وأما السراء فأن يبتلى الموحد بشيء من المال يعطاه حال سجنه أو بعده وربما موهوه في صورة تعويضاتٍ أو نحو ذلك، أو موعدةٍ بمنصب أو ينخدع بحسن معاملة أو تلطف فيلقون عليه شبهاتهم ويصرفونه عما عرفه من الحق، وكل ذلك حدثت فيه قصص معروفة متداولة يعرفها الناس ونماذجها الحية محسوسة نسأل الله السلامة والعافية، وأنا أعلم أن هناك ممن دخل السجن من ثبت وصبر بل وخرج منه أصلب عودًا وأقوى إيمانًا وهذا هو الواجب في حق كل من ابتلي بالسجن والأسر إذ ينبغي عليه أن يحتسب ويصبر وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كان فيمن قبلكم من يؤتى بالمنشار فينشر من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه ما يصده ذلك عن دينه) ، ولكن حديثي عن التعرض للفتنة التي لا يدري المسلم ماذا يصنع فيها ولا ما يصنع الله به وهل يثبت أو ينتكس أو يفتر وقد جاء في الأثر (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه،: يتحمل من البلاء لما لا يطيق) ومن هذا القبيل جاء النهي عن تمني لقاء العدو وقال صلى الله عليه وسلم (فإذا لقيتموهم فاصبروا) وقد بوب البخاري رحمه الله: باب من الدين الفرار من الفتن، وهذا هو المجال الصحيح لتنزيل مثل هذه التوجيهات الشرعية خلافًا لمن يحتج بها على ترك الجهاد فمن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يعرضون أنفسهم للفتن والبلاء ومع ذلك ما توانوا عن الجهاد في سبيل الله بل قال صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية" ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا المسلمون على مر الزمان الجهادَ في سبيل الله بحجة الخوف من الأسر مع أنهم يعلمون أنه لا يخلو الجهاد من أسرى غالبًا وقد أسر خبيب بن عدي رضي الله عنه، وإنما كان الموقف من الأسر إذا وقع هو صبر الأسير وسعي إخوانه في فكاكه، وقد فك في عصرنا الحاضر كثير من أسرى بالمجاهدين بوسائل كثيرة فمنها اختطاف أفراد من العدو ومبادلتهم كما حصل للمجاهدين في البوسنة حين أسروا وزير الدفاع الكرواتي واستنقذوا به أسرى المسلمين، وفي روسيا وغيرها يمكن تخليص الأسرى بدفع المال للضباط الروس، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا.

والدعاء للأسرى حق عظيم وهو بإذن الله طريق نافع لا سيما عند العجز عن فك إسارهم فقد يهيئ الله من الأسباب ما يفرج به عن المؤمنين كما حصل في أسرى سجن أبي غريب في بغداد حيث فك منهم أكثر من ثلاثمائة محاولة من أمريكا للتغطية على جرائمها في حق السجناء، وإن كان بقي منهم من بقي نسأل الله أن يفرج عنهم وعن جميع أسرى المسلمين في كل مكان وأن يؤنس وحشتهم ويحفظ أسرارهم ويلهمهم حججهم ويحفظ عليهم دينهم وعقولهم وجوارحهم ولئن أسر المجاهد في سبيل الله بعد أن أدى ما عليه فإن الله سيكتب له أجره ولكن البائس حقًا من أسرته ذنوبه فكان من القاعدين المتفرجين فلم يغز ولم يجهز غازيا ولم يخلف غازيًا في أهله بخير نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت