فهرس الكتاب
بعث الشيخ أبو عبد الرحمن الأثري صاحب المؤلفات المشهورة في تأصيل مسائل الاعتقاد بهذه الرسالة إلى المجلة والتي وجهها إلى كل جريح ومكلومٍ في سبيل رفع راية الدين؛ خفاقة عالية رغم أنف الحاقدين .. فإلى ثنايا الرسالة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الضحوك القتَّال محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واستنَّ بسنته إلى يوم الدين أما بعد:
فقد شرفني الله جل وعلا بصحبةٍ ممن باعوا أنفسهم رخيصةً في سبيل الله ومن أجل مرضاة الله ونصرة المستضعفين في الأرض.
وقد ابتلى الله جل وعلا بعضهم بجراحٍ في سبيله فأردت في هذه الرسالة القصيرة أن أزف إليهم هذه الكلمات هديةً لهم لأفرحهم بالأجر والغنيمة التي حصلت لهم وأُصبرهم وأُشجعهم على هذا الطريق فأقول مستعينًا بالله:
إلى الذين هجروا الأهل والخلان.
إلى الذين تركوا القصور والزوجات.
إلى الذين شرفهم الله واختارهم لنصرة دينه.
إلى الذين صبروا وصابروا ورابطوا.
إلى الذين يتألمون بجراحهم ويتصبرون على ذلك.
إلى الذين يطاردهم حماة الصليب.
إلى الذين لم يهدأ لهم بال ولم يقرَّ لهم قرار.
إلى الذين لم يروا أهليهم الشهور الطوال.
إلى الذين أقلقوا أعداء الله.
إلى الذين روعوا الصليبيين في حصونهم.
إلى الذين يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.
قال الله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) .
قال الطبري في تفسيره على هذه الآية: (القول في تأويل قوله:(فَمَا وَهَنُوا لِمَا أصَابَهُمْ في سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَما اسْتَكانُوا وَاللّهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ) .
يعني بقوله تعالى ذكره: (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أصَابَهُمْ في سَبِيلِ اللّهِ) : فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله , ولا لقتل من قتل منهم عن حرب أعداء الله , ولا نكلوا عن جهادهم. (وَما ضَعُفُوا) يقول: وما ضعفت قواهم لقتل نبيهم. (وَما اسْتَكانُوا) يعني: وما ذلوا فيتخشعوا لعدوّهم بالدخول في دينهم, ومداهنتهم فيه, خيفة منهم, ولكن مضوا قُدُمًا على بصائرهم ومنهاج نبيهم, صبرًا على أمر الله وأمر نبيهم وطاعة الله, واتباعًا لتنزيله ووحيه. (وَاللّهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ) يقول: والله يحبّ هؤلاء وأمثالهم من الصابرين لأمره وطاعته, وطاعة رسوله, في جهاد عدوّه, لا من فشل ففرّ عن عدوّه, ولا من انقلب على عقبيه فذلّ لعدوّه لأن قتل نبيه أو مات, ولا من دخله وهن عن عدوّه وضعف لفقد نبيه.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ثم ذكر بسنده عن قتادة: (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أصَابَهُمْ في سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَما اسْتَكانُوا) يقول: ما عجزوا, وما تضعضعوا لقتل نبيهم, (وما اسْتَكَانُوا) يقول: ما ارتدّوا عن نصرتهم ولا عن دينهم, بل قاتلوا على ما قاتل عليه نبيّ الله حتى لحقوا بالله.