الصفحة 773 من 1360

مضى أبطالنا في طريقهم وهم يرجون من الله الإعانة والتسديد، ولم يكونوا على علم بما يقدره الله لهم في المستقبل القريب، وبعد مدة من الزمن بدأت تتكشف لهم معالم الطريق إلى مدينة الرياض حيث كان هدفهم الوصول إليها بعد أحداث المواجهة الأولى مع القوات السلولية، وسلكوا الطريق ولم يبق بينهم وبين الرياض إلا قليل وهنا تغير الحال، حيث واجهتهم سيارة من سيارات القوات الحكومية وتعاملوا معها بما جرى تفصيله في التقرير المشار إليه آنفًا.

وهنا تعطلت سيارة المجاهدين في الصحراء ليبدؤوا مسيرهم على الأقدام وكان هذا في اليوم الثاني منذ بداية الحدث.

قريبًا من موقع تعطل السيارة صعد المجاهدون جبلًا ليتعرفوا على موقعهم بشكل جيد، وليستطلعوا الطريق، وحرصوا منذ بداية السير على أن يمشوا فوق الحصى، ويتجنبوا المشي على التراب والطين تفاديًا لتتبع الأثر، وهذا - بعد فضل الله - يفسر عجز قُصّاص الأثر - الذين استعان بهم آل سلول - عن تحديد موقع المجاهدين بالضبط.

صعد المجاهدون الجبل، وتعرفوا على موقعهم بشكل جيد، وكان الجبل أحد الجبال القريبة من قرية (العيينة) وشعيب (الحيسية) وقرر المجاهدون الاستخارة في سلوك الطريق، وكانوا يكثرون منها كلما احتاجوا لها طيلة حصارهم، فيستخيرون في اختيار الطرق، واختيار الملاجئ، وتوقيت المبيت والسير وغير ذلك، وهذه عبادةٌ عظيمة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه دعاءها كما يعلمهم السورة من القرآن كما في حديث جابر رضي الله عنه في صحيح البخاري.

هنا بدأ الطلب يشتد على المجاهدين، وحلقت في السماء طائرة عمودية تابعة للحكومة، والطائرات التي تستخدمها الحكومة في مثل هذه المواجهات متنوعة وتابعة لأكثر من جهة وقد رأى المجاهدون عدة أنواع منها، فبعضها تابع للدفاع المدني، وبعضها تابع للجيش، وبعضها تابع لقوات الأمن الخاصة، وبعضها تابع للقوات الجوية، كما رأوا طائرات شراعية، تعاقبت هذه الأنواع كلها على مدار شهر الحصار.

حينما وصل الطيران كان المجاهدون في منطقة مكشوفة، فعمدوا إلى البحث عن مناطق تتوفر فيها السواتر والحواجز، ومشوا ساعاتٍ والطيران من فوقهم، وهم يحاولون التخفي خلف الصخور والأشجار، وأسدل الظلام ستاره في اليوم الثاني ليجد المجاهدون فرصة للراحة والبحث عن ملاذ آمن.

خلال هذه المدة الماضية كان المجاهدون يحملون أسلحتهم، ولم يفرطوا فيها اهتداء بوحي الله: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) .

وتشاور الأبطال في الأمر فأشار أحدهم بالتمويه على العدو والقرب من أماكن تمركزه حيث لا يخطر بباله أنهم في منطقته، اهتداءً بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة كما أشرنا إليه قريبًا، واتبعوا رأي أخيهم المعضد بالدليل فكانت فيه البركة - بحمد الله -، وفي مسيرهم تلك اللحظات وجدوا مغارة فكمنوا فيها، ثم اكتشفوا عدم مناسبتها عسكريًا للتمركز أو المقاومة حال اكتشاف العدو لهم فقرروا تغيير المكان، وكانت الكهوف والمغارات والدحول أماكن مناسبة للتخفي والكمون، ولكن أحيانًا تكون ضيقة لا عمق فيها يكفي للاستتار بها، فيلجأ المجاهدون إلى تغطية أنفسهم بالأشجار، أو القرب من الصخور لتؤدي بعض الغرض في ذلك.

وتوالت الأيام على هذه الحال، وفي الحلقة القادمة نكمل القصة وفيها نعرف حال المجاهدين مع الماء والطعام، وأثر الدعاء على مسيرتهم، وكيف واجهوا الحر؟، وكيف كان خسوف القمر وهبوب الرياح الشديدة والغبار فرصة طيبة استفادوا منها، وكيف انتهت القصة؟ فإلى تلك الحلقة إن شاء الله نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت