الصفحة 772 من 1360

سعى المجاهدون لجهادهم في سعادة وطمأنينة وسكينة، لم يتوانوا أو يقعدوا أو يجبنوا، طاردهم الطواغيت ولاحقوهم، عمّموا صورهم على نقاط التفتيش، داهموا بيوتهم، روعوا أهليهم، جعلوا الجوائز لمن يأتي بهم، أو يدل عليهم، ليثنيهم عن عزمهم، وليحد من نشاطهم فلم يهنوا ولم يرضخوا بل تحدوه في إيمان راسخ بالقضاء والقدر مستحضرين الأثر الحكيم عن أبي بكر رضي الله عنه: "احرص على الموت توهب لك الحياة" فالشجاعة لا تقدم أجلًا، والجبن لا يزيد في العمر.

كان من بين هؤلاء المجاهدين الأخ بندر الدخيل أعزه الله أحد أعضاء قائمة الشرف الثانية (المطلوبين الستة والعشرين) الذي سرد تفاصيل القصة ونحن نرويها للقراء مع مراعاة بعض الجوانب الأمنية التي ينبغي أخذها في الحسبان امتثالًا لأمر الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) وهذه فرصة لأن نطمئن قراءنا الكرام، بأننا نأخذ هذا الأمر في الحسبان حال سردنا لمثل هذه القصص، ونؤخر منها ما تقتضي المصلحة تأخيره، ولا نذكر ما قد يضر المجاهدين، وكذلك تعاملنا مع الأخبار الخاصة والعامة، ونسعى في ذلك قدر المستطاع إلا شيئًا أو خطأ لا يسلم من مثله بشر.

استقل المجاهدون سيارتهم وعددهم خمسة وانطلقوا إلى مقصدهم، وحصل اشتباه بهم فأوقفتهم سيارة من سيارات الشرطة، وحاصرتهم فتعاملوا معها بما جرى وصفه في التقرير الإخباري التاسع المنشور في المجلة (العدد السابع عشر) وبدأت بعد ذلك أحداث الحصار.

كان الوقت عشاءً، بعد ذلك سلك المجاهدون طرقًا مختلفة، حتى سلكوا طريقًا بريًا معتمدين على معرفتهم بالجهة التي يقصدونها دون علم بتفاصيل الطريق الذي اضطروا لسلوكه، ولكن رحمة الله عليهم سابغة حيث مضوا في طرق تؤدي إلى مدينة الرياض، وفي هذه اللحظات من بدايات القصة شعر المجاهدون بأمر عظيم وهو الطمأنينة والسكينة التي نزلت عليهم، حتى إنهم أخذهم النعاس وهم في السيارة أمنةً من الله وتثبيتًا، وهذا الوضع كثيرًا ما يمر بالمجاهدين، وحصل منه للمجاهدين في جزيرة العرب خصوصًا وقائع كثيرة وهي من عجيب تأييد الله لعباده، فالمعروف أن الخائف لا ينام، ولا تذوق عيناه طعمه، وإنما ينام المطمئن المرتاح، وقد امتن الله على أهل بدر بمثل هذا، قال تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ) قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: (يقول تعالى ممتنًا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال في سورة الأنفال في قصة بدر(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ) الآية وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو نعيم ووكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين عن عبد الله بن مسعود قال: "النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان".

وهنا فائدة توجب على المرء أن يقف عندها وهي أنه كلما كان المجاهد على علم بالطرق وتفاصيلها كان أولى وأفضل، وسواء أكانت طرقًا برية أم معبدة، كما أن وسائل تحديد الاتجاهات، وقيادة المركبات في المناطق الصحرواية من المهارات التي تنفع المجاهد وتخدمه في تلك الظروف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت