فهرس الكتاب
المتأمل في استحضار تأريخ المجاهدين في الجزيرة يجد العجب من الناس، ففيهم الراسخ الثابت الذي بنى موقفه على نور من الله وهداية، فثبته الله على الحق، ولم يستعجل ولم يتخبط في مواقفه من قضية الجهاد، نسأل الله أن يثبتنا جميعًا على الحق، ومن الناس من كان موقفه متذبذبًا مهزوزًا، فهذا ننصحه بالتزود من العلم، والإكثار من سؤال الله الهداية، عسى الله أن يمن عليه بالثبات واليقين، وصنف آخر يتحرى أقوى الطائفتين، وأكثر العسكرين انتصارًا ليكون معه فهذا الذي لن ينتفع كثيرًا بمثل قصتنا هذه، وأمثالها من قصص الانتصارات، وآخرها عمليتا (ينبع والخبر) النوعيتين؛ لأنه ما إن يستشهد أحد من المجاهدين بعد ذلك، أو يحصل شيء من الهزيمة إلا ونكص على عقبيه نعوذ بالله من هذا الحال، وإن أمرًا عظيمًا غفل عنه الغافلون من المتذبذبين، ما كان ينبغي لمؤمنٍ بالغيب أن يغفل عنه، ألا وهو نصر الآخرة ونعيمها الدائم السرمدي، فوالله الذي لا إله غيره لو قُتِل المجاهدون كلُّهم واستأصلوا لكان لهم في الشهادة ونعيم الجنة أعظم النصر والفلاح والفوز الكبير، كيف وقد ضمن الله للمجاهدين النصر التام في الدنيا بإظهار الدين، واستمرار طائفة المجاهدين، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" [رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه] نعم قد ينهزم المجاهدون في بلد، أو يضعفون في آخر، لكن العبرة بحال الجهاد والمجاهدين في الأرض كلها بعيدًا عن تقسيمات الحدود الاستعمارية البريطانية الكافرة، لأن فئة من الناس قد تحتج بفشل المجاهدين في منطقةٍ ما - فشلًا دنيويًا ماديًا - على فشل طريق الجهاد ونسوا الأمرين: (أن أرض الجهاد عالمية، وأن النصر الحقيقي هو انتصار المبادئ والثبات على الحق والشهادة في سبيل الله) أوردت هذا الكلام تمهيدًا لمثل هذه القصص والوقائع التي قد يخطئ بعض الناس في التعامل معها واتخاذها - مثلًا - مثارًا للعجب وهو داءٌ خطير، كاد أن ينهزم المسلمون بسببه في غزوة حنين (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) .
حصار (العمارية) وما أدراك ما حصار (العمارية) ؟
بدأت القصة حينما سعى المجاهدون في مناكب الأرض ليعبدوا ربهم بالجهاد في سبيله، يستحثهم إلى تلك العبادة العظيمة ما وقر في قلوبهم من عقيدة ٍصحيحة، تُحَتِّم عليهم التوجه إلى الخالق بالعبادة وحده لا شريك له، عقيدةٌ تحرِّم عليهم أن يؤلهوا غير الملك جل جلاله، عقيدةٌ تثمر ثمارها الطيبة بالخضوع لأمر الله والاستجابة لدعوته (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) عقيدةٌ تثمر ثمارها الطيبة بالاقتداء بهدي رسول الهدى محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
سعى المجاهدون في طريقهم يحدوهم حادي الشهادة وكرامة الله للمجاهدين في سبيله والنعيم المقيم الذي ينتظرهم بعد الممات.