الصفحة 770 من 1360

قصة حصار العمَّاريَّة (1/ 2) يرويها المجاهد: بندر بن عبد الرحمن الدخيل

في هذه الأيام ونحن نعايش النصر العظيم للمجاهدين في سبيل الله في جزيرة العرب، والذي تحقق في عملية سرية القدس، نروي لقراء صوت الجهاد قصة حصار (العمَّارية) ، وهي قصة عظيمة، وحادثة تأريخية مهمة، تجلى فيها تأييد الله لعباده المؤمنين، وتنزل النصر عليهم رغم قلتهم وضعفهم، ولكنه الإيمان والحق الذي من نصره لم يقف في وجهه أحد، هذه القصة فيها من العظات والعبر الشيء الكثير الذي ينبغي الاستفادة منه بالتأمل والتدبر، إذ هذا هو المقصود الأول من سرد القصص والسير، قال الله تعالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) .

فالمجاهدون لم يقوموا بجهادهم ويؤسسوا إعلامهم لأجل أن يسدوا فراغًا في مجال الأخبار، ولا إسهامًا منهم في إمداد المجالس بالحكايات والوقائع، وإنما المراد النصيحة للمسلمين، وتذكيرهم بحقائق إيمانية ودينية غابت عنهم، فهي اليوم بحمد الله تتجدد في النفوس وتحيا بفضل ما مَنّ الله به على الأمة من هذا الجهاد المبارك، وأعظم التعليم والنصيحة وأكثرهما أثرًا في النفوس ما كان عمليًا واقعيًا يقتدى فيه بالأبطال والصالحين، وقد امتن الله على خليله إبراهيم عليه السلام بأن الله هيأه ليكون قدوة وإمامًا يقتدي به الناس (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ومثله أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، إذ لما ذكرهم الله في سورة الأنعام وذكر قبسًا من سيرهم العطرة أمر بعد ذلك بالاقتداء بهداهم (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) .

هذا تذكيرٌ أحببنا تقديمَه بين يدي هذه القصة العظيمة، لما له من أهمية، وليحصل المقصود وهو زيادة اليقين والإيمان، وكذلك الاقتداء والعمل، كما نحب أن ننبه إلى أن مثل هذه الحوادث والانتصارات التي يمن الله بها على المجاهدين ينبغي أن لا تكون هي الدافع الأساس لأن يقتنع المسلم بطريق الحق والتوحيد والجهاد، نعم هذه الانتصارات والمبشرات تفرح بها النفوس وتستبشر وتطمئن وتزيد يقينًا وإيمانًا، لكن حذار أن تكون هي المقياس عند المرء لمدى صحة منهج المجاهدين وسلامة طريقهم؛ لأن النصر والهزيمة من عند الله ولم نكلف بها، وإنما كلفنا باتخاذ الأسباب، والاجتهاد في إعداد القوة، وما بعد ذلك مرده إلى الله الذي يداول الأيام بين الناس، فمرةً نصرٌ، ومرةً هزيمةٌ، وهكذا حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولخيرة الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، يبتليهم الله بهزائم تنقيهم وتمحصهم، وتنبههم لذنوبهم، ولكن العبرة بالعاقبة وهي للمتقين، فالعقيدة والقناعة والعلم بدين الله وصحة طريق المجاهدين هي التي ينبغي أن تحركنا للعمل لدين الله، والالتحاق بالمجاهدين ونصرتهم، والكفر بالطواغيت ومعاداتهم، ومعاداة جميع الكفار، أما من يعلق عمله وجهاده بمدى انتصار المجاهدين أو قوتهم أو ضعفهم فهو المغبون، وفي فعله شبه من المنافقين (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت