قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: (والأمر بالجهاد وذكر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من تحصر ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان, وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة, ومن الصلاة التطوع, والصوم التطوع، كما دل عليه الكتاب والسنة .. وهذا باب واسع، لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها, مثل ما ورد فيه فهو ظاهر عند الاعتبار, فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا, ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة, فإنه مشتمل على محبة الله تعالى والإخلاص له, والتوكل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر والزهد وذكر الله وسائر أنواع الأعمال, ممالا يشتمل عليه عمل آخر, والقائم به بين إحدى الحسنيين دائمًا إما النصر والظفر, وإما الشهادة والجنة، وإن الخلق لا بد لهم من محيا وممات, ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة وفي تركه ذهاب السعادتيين أو نقصهما فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قلة منفعتهما فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد وقد يرغب في ترقية نفسه حتى يصادفه الموت فموت الشهيد أيسر من كل ميتة وهي أفضل الميتات) .
العلامة الخامسة: (وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ) فلا يردهم عما هم فيه من طاعة الله وإقامة الحدود وقتال أعدائه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لومة اللائمين، ولا يردهم عن ذلك رادّ، ولا يصدهم عنه صادّ، فلا يضرهم عذل العاذلين، ولا انبطاح المتعايشين، ونعق المنهزمين، وفتاوى المخذلين، وإرجاف القاعدين، وهذه علامة صحة المحبة فكلًّ مُحب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمُحب على الحقيقة، قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) وقال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا نُنازع وأن نقوم بالحق حيثما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم) .
وأختم الكلام بالتحذير من أن تقع أيها المسلم في المحبة الشركية التي قال الله عنها: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ) فأخبر أن من أحب من دون الله شيئًا كما يُحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا فإن هذا ندٌّ في المحبة فذم أهل الشرك بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يُخلصوها لله كما قال تعالى: (تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * ِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ومعلوم أنهم لم يُسووهم برب العالمين على الخلق والرزق وغير ذلك من الربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم كما في قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) أي: يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم، نسأل الله المولى جل وعلا أن يًمن علينا بعبودية المحبة والخوف والرجاء، ويجعلنا ممن يُحبهم ويُحبونه وصلى الله وسلم على خليله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله أزواجه وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.