بقلم: الشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فقد افترض الله على عباده المؤمنين، البراءة من أعدائه الكافرين، وأوجب عليهم بغضهم وعداوتهم، وأمرهم بالنيل منهم وإغاظتهم، فقال سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) الآية، فجعل الله الإرهاب مقصودًا للإعداد، والمقصود من الأمر مأمور به، فعُلم منه الأمر بإرهاب الكافرين سواء كان ذلك بالإعداد أو بالجهاد أو بغير ذلك، وهذا داخلٌ في الآية بالقياسِ الجليِّ على الحكم المعلَّل بالنصِّ.
وفي قول الله عز وجل في الآية: (عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) إشارةٌ إلى أنَّ الكفَّار يُقاتَلون ويُرهَبون لعداوتهم لله عز وجل، كما يُقاتلون لعداوتهم المؤمنين، فليس الأمر بإرهابهم مقصورًا على من يُناصب المسلمين العداوة، بل كلُّ كافرٍ عدوٌّ لله، وكل عدوٍّ لله عدوٌّ لنا، وكلُّ أولئك مأمورٌ بإرهابهم والإعداد لذلك بمنطوق الآية.
فالسعي في إرهاب الكفَّار مطلوبٌ أصلًا لكفرهم، ولعداوتهم الأصلية للمؤمنين، التي هي مقتضى إيمان المؤمنين وكفر الكافرين، (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) ، فلكون المؤمنين يُقاتلون في سبيل الله وكون الكافرين يُقاتلون في سبيل الطاغوت، أُمر أولياء الرحمن بقتال أولياء الشيطان.
والبراءة من الكفَّار وعداوتهم كما هي مطلوبةٌ باللسان والقلب، مطلوبةٌ بالعمل، وذروة سنام العمل الجهاد في سبيل الله، وأشدُّ ما تكون البراءة والمعاداة أن تسل السيوف وتلتقي الصفوف.
كما أنَّ إرهاب الكافرين يُطلب لدفعهم وكفِّ بأسهم، ومن الغزوات التي أُريد بها إرهاب الأعداء وتخويفهم لكفِّ بأسهم وشرِّهم غزوة العسرة.
وكذلك خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد بعد أحدٍ، أراد به صلى الله عليه وسلم أن يكفَّ بأس الكافرين ويكسر حدَّهم وشوكتهم وهمَّتهم في قتال المسلمين، وفي ذلك نزل قوله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) الآية، قالت عائشة كما في صحيح البخاري: لما أصاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: "من يذهب في إثرهم" فانتدب منهم سبعون رجلًا، فذكرت الحديث.
وكما أُمرنا بإرهاب الكفَّار وتخويفهم وكان ذلك من مقاصد الجهاد، فقد أمرنا بالنيل من الكفَّار بالفعل، نيلًا حسِّيًّا بقتلهم وقتالهم وسبي نسائهم وغنيمة أموالهم، ونيلًا معنويًّا بإغاظتهم وإرهابهم، وإهانتهم وإذلالهم.
فقال الله في محكم التنزيل: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) .