الصفحة 785 من 1360

فبيّن أنَّ كلَّ نيلٍ يناله المؤمنون من العدوِّ يُكتب به عملٌ صالحٌ، وأنَّ كل موطئٍ يغيظ الكفَّار -وهذا من النيل المعنوي- يُكتب به عملٌ صالحٌ، وجعل ذلك دافعًا ومحرِّضًا للخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواتهم وجهاده، فكل ما كان فيه نيلٌ من الكافرين أو إغاظةٌ فهو مأمورٌ به.

ومن النيل من الكافرين إنفاذُ ما حكم الله به عليهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: "وجُعل الذلَّة والصغار على من خالف أمري"، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ، فأمر بجهادهم وبالغلظة عليهم ولو بلا جهاد كما هو ظاهر العطف، أو بالغلظة عليهم في الجهاد كما قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) .

وفي البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه جمع قريشٍ والأحابيش له حين خرج قاصدًا العمرة قال: "أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محروبين"، فجعل طرفي الأمر مقصودًا له ومطلوبًا: أن يقطع منهم عينًا وينال منهم فإن أتوه أتوه وقد نال منهم ما نال، وأن يتركهم محروبينَ إن لم يأتوه، وكلاهما مقصدٌ شرعيٌّ صحيحٌ قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن صور النيل من الكافرين، إذلالهم وإهانتهم، كما فرض الله عليهم الجزيةَ وهي صغارٌ بذاتها، وفرض معها أن يعطوها عن يدٍ وهم صاغرون، تأكيدًا لذلك الصغار وزيادةً فيه، ولم يجعل لقتالهم غايةً ينتهي إليها دون الجزية، فما لم يعطوا الجزية أو يسلموا فقتالهم واجبٌ.

ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الذمة من الكافرين فضلًا عمن لا ذمة له، "لا تبدءوا أهل الكتاب بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه"، ونحو ذلك من أحكام إهانتهم وإذلالهم في الدنيا.

ومن صور النيل منهم: قتلُ المقاتلة منهم، وهم كل من حمل السلاح، وهذا يكون في قتالهم ابتداءً وفي عقوبة ناقضي العهد منهم ولو وقع ذلك بلا قتالٍ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، والإثخان فيهم بالقتل في المعارك كما أمر الله عز وجل: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) .

ومن صور النيل منهم أيضًا: سبي النساء والذراري، فيكونون رقيقًا مسلوبةً حرّيتُهُم، وتُستباح أعراض نسائهم بغير مهرٍ ولا رضىً، ولذا أجمعت الأمة على ما فعله علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه حين امتنع من سبي نساء أهل القبلة من البغاة.

ومن صور النيل منهم: غنيمة أموالِهم واستباحتها وقسمتها بين المسلمين، وكذلك كل ما يدخل في هذا الباب من إتلاف زروعهم وأموالهم، ومن محاصرتهم وقطع الطريق على قوافلهم، وغير ذلك مما يُفردُ في المقال القادم بإذن الله.

وهذا الحكم من فرض الجهاد للنيل من الكافرين وإرهابهم وإذلالهم لا يُشكل على من يعرف حقيقة العداوة الواجبة بين المؤمنين والكفَّار، فهي أعظم العداوات على الإطلاق، والعداوة إذا اشتدَّت لم تقف دون القتال، فلا يُمكن أن يعلم أحدٌ أنَّ الله فرض معاداة الكافرين وقطع الموالاة بينهم قطعًا تامًّا، ثمَّ يُشكل عليه أن يُقاتلهم بعد ذلك، بل إنَّ من وجد في قلبه حقيقة بغض الكافرين لم يملك نفسه عن قتالهم، ولم يمنع مانعٌ أو يصدَّه صادٌّ عن منازلتهم ومحاربتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت