وردت أسئلة فقهية حول أحكام الجهاد منها ما وصل عبر البريد، ومنها ما كُتب في الأنترنت وبعد المداولة بين اللجنة الشرعية أحيل هذا السؤال إلى الشيخ عبدالله الرشيد حفظه الله على أنه سيأتي مزيد بيانٍ وإيضاح في الحلقات الدورية للعلاقات الدولية في الإسلام والتي تصدر في مركز الدراسات والبحوث الإسلامية من تأليف الشيخ فارس آل شويل الزهراني حفظه الله فإلى نصِّ الفتوى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
الأخ الكريم عبد الله حجازي، وصل سؤالك وصلك الله بحفظه وتأييده، تسأل عن ترددك مع مجموعة من الشباب المسلم بين الجهاد في بلدكم الَّذي أنتم فيه، أو الخروج إلى جزيرة العرب للجهاد فيها، وبيّنت أنَّكم اختلفتم فمن رأى تقديم الجزيرة ذهب إلى حديث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، ومزيد فضل الجزيرة وخصائصها الشرعية، إضافة إلى وجود الراية الواضحة وسبق المجاهدين في الجزيرة بالإعداد والبدء بالقتال، ومن رأى تقديم البلد الَّذي أنتم فيه ذهب إلى قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) ، مع وجود العدو المتربص والمصالح الصليبية الأمريكية وغيرها، والسؤال: أيُّهما أولى الجهاد في الجزيرة أم في بلدكم، وهل تأثمون بترككم الجهاد في الجزيرة أم لا؟
فالحمد لله الَّذي جعل في شباب المسلمين أمثالكم، أسأل الله أن يرزقكم الهداية والسداد، ويوفقكم للعلم والعمل والجهاد.
والأصلُ في الباب الَّذي سألتَ عنه، هو قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ، قال الشافعي رحمه الله: قال الله تبارك وتعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) ؛ ففرض الله جهاد المشركين، ثمَّ أبان من الَّذين نبدأ بجهادهم من المشركين، فأعلَمَ أنَّهم الَّذين يلون المسلمين، وكان معقولًا في فرض جهادهم أنَّ أولاهم بأن يُجاهَدَ أقربُهُم من المسلمين دارًا، لأنَّهم إذا قووا على جهادهم وجهاد غيرهم كانوا على جهاد من قرُب منهم أقوى، وكان من قرُب أولى أن يُجاهد؛ لقربه من عورات المسلمين؛ فإنَّ نكاية من قرُب أكثرُ من نكايةِ من بعُد.
وذكر الواقدي عن ربيعة بن عامر في أول قتال الروم، أن رجلًا من الروم سأل ربيعة عن سبب بداءتهم بهم وتقديمهم على الفرس فقال: بدأنا بكم لأنكم أقرب إلينا من الفرس، وإن الله تعالى أمرنا في كتابه بذلك، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) .
وعلى هذا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الغالب من قتاله، وسيرة أصحابه من بعده: أنَّهم يبدؤون بالأقرب فالأقرب من الكفَّار، وهو الأصحّ من جهة سياسة الحربِ والنَّظر فيه، إذ لا يمكنه أن يدخل بلدًا يُقاتل فيه عدوًّا قبل وجهه، وقد تركَ عدوًّا خلفه بينه وبين المسلمين.
وهذا هو الأصل في جهاد الكفَّار، وكانت من النبي صلى الله عليه وسلم حوادث قاتلَ فيها العدوَّ الأبعد، فغزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك قبل فتح الطائف وقتال هوازن وثقيف وأهل تلك البلاد، وغزا بني المصطلق ودونهم عدو أقرب منهم لمَّا بلغه أنَّ الحارث بن أبي ضرار والد جويرية رضي الله عنها يجمع له.