والأمر في هذا وهذا يرجع إلى نظرِ المجاهدين في سياسة الحرب، فقد يُقدَّم الأنكى لأمن شرِّه، وقد يُقدَّم الأسهل نيلًا إذا أُمن الأنكى للتقوِّي به على غيره.
وهذا كُلُّه في قتالِ الأقربِ إلى جميع المسلمين قبل الأبعد من جميعهم، أمَّا الأقرب إلى طائفةٍ من المسلمين وهو بعيدٌ عن طائفةٍ أُخرى، كقتال العدو في أفغانستان مع وجود عدو أقربَ في بلاد العرب ونحو ذلك، فهذا ليس بمطابقٍ لمدلول الآية فيما يظهر والله أعلم، فإنَّ قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) يشمل كلَّ من يلي المسلمين جميعَهم أو طائفةً منهم لعموم الضمير في قوله يلونكم العائد على المخاطبين وهم الذين آمنوا، فلا يُقال إنَّ من قاتل عدوًّا يلي المسلمين في مشارق بلادهم، وترك عدوًّا أقرب إلى بلده الَّذي هو منه؛ إنَّه قد خالف مدلول الآية، بل قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) يشمل كلَّ من كان يلي طائفةً من المسلمين وإن بعُد عن طائفةٍ، وهذا لأنَّ المسلمين يدٌ واحدةٌ على من سواهم.
إلاَّ أنَّ بعض السلف أجرى حكم الآيةِ في قتال كلِّ طائفة من المسلمين الكفَّار الذين يلونهم، وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: يُرابط كلُّ قومٍ ما يليهم من مسالحهم وحصونهم.
ولما قيل للإمام أحمد إنَّ عبد الله بن المبارك خرج من المصيصة إلى الشام ليُقاتل الروم لفضل قتال الروم، غضب رحمه الله تعالى وقال: سبحان الله ما أدري ما هذا القول! يترك العدو عنده , ويجيء إلى ها هنا أفيكون هذا أوَيستقيم هذا؟ وقد قال الله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) ، لو أن أهل خراسان كلهم عملوا على هذا لم يجاهد الترك أحد.
وسواء قلنا بشمول الآية للصورة الثانية، وهي العدو الذي يلي طائفة من المسلمين وغيره أقرب منه إلى طائفة أُخرى، أو بأنَّها لا تشملها، فالمعنى صحيحٌ إن كان خروج المسلمين من بعض الثغور يُخلي بعضًا آخر من الثغور، على ما قال الإمام أحمد حين أنكر على ابن المبارك رحمهما الله.
وهذه الصورة الثانية مما قيل بدخوله في مدلول الآية، وهي قتال كل طائفة من المسلمين من يلونهم، مما يختلف باختلاف ميادين الجهاد وجبهاته، فإن ازدادت الحاجةُ إلى رجلٍ بعينه، أو جيشٍ من الجيوش ونحو ذلك في بلد من البلاد، واستُغني عنه في بلدٍ أُخرى، فإنَّه ينتقل إليها، ولذا نقل الصديق خالد بن الوليد رضي الله عنهما من العراق إلى الشام ليُقاتل الروم لما رأى حاجة المسلمين إليه هنالك.
وتختلف ميادين الجهاد في اتساعها للمجاهدين، واحتمالها لأعداد كبيرة منهم، كما تختلف في الحاجة إلى المُقاتلين عامَّةً، أو بعض ذوي الخبرات بخصوصِهم، وتختلف بإمكانية القتال فيها، فمنها ما لا يستطيع القتالَ فيه إلاَّ فئةٌ محدودة من الناس، إمَّا لظروفٍ خاصَّةٍ بالبلد، وإمَّا للحاجة إلى البداية في الإعداد وتأسيس الجهاد مما لا يستطيعه كل أحد.
فمن أراد الجهاد وفي بلده الَّذي هو فيه عدوٌّ، فإمَّا أن يستطيع القتال في بعض الجبهات ولا يستطيع في بعضها الآخر، لعدم القدرة على بلوغ الميدان أو غير هذا السبب، فالواجب عليه الجهاد الَّذي يستطيعه في المكان الَّذي يستطيعه.
وقد يكون الجهاد في بعض جبهاته أكثر حاجةً إليه منه في جبهةٍ أُخرى فالواجب عليه إعانةُ المجاهدين المُحتاجين إليه الَّذين ينفعهم وصولُه إليهم وجهاده معهم.