وقد يكون الجهاد في بعض الجبهات قائمًا على سوقِهِ، وبعض الجبهات تحتاج إليه في الإعداد وتأسيس الجبهة وبناء الجماعة المسلمة المجاهدة في سبيل الله، فالواجب عليه إن قدر أن يعمل على إنشاء جبهةٍ تُقاتل أعداء الله.
وقد ذهب عدد من قادة المجاهدين في هذا العصر إلى توسيع ميدان الحرب مع العدو لاستنزافه وإنهاكه، وهو الأساس الَّذي تقوم عليه حرب العصابات، فتكون المصلحة لو استوت البلاد في الحاجة أو عدمها أن يُوسّع ميدان الحرب، ولو بأن يترك البلد الَّذي هو فيه إن كان فيه جهادٌ ليُقيم جبهة جهادٍ في بلدٍ آخر.
وأمَّا حال الأخ السائل؛ فإنَّ بلده فيما فهمتُ من كلامه ليس فيها حركة جهاديَّة قائمة، مع إمكان الإعداد لتأسيس حركةٍ فيها، وزاد على هذا أنَّ العدوَّ فيها متربّصٌ بالمسلمين وله شوكةٌ وظهورٌ فيها، فمثل هذه البلاد ينبغي المبادرة بالجهاد فيها، وهي أحوجُ من كثيرٍ من البلاد التي قام فيها علم الجهاد، مع ما تقدَّم من المصلحة في تكثير ميادين الجهاد لتكون بلاد الأخ السائل ميدانًا من الميادين، وهذا كلُّه مع الأصل الشرعيِّ من قتال من يليه من الكفَّار وعدم إخلاء ثغورِ المسلمين من المجاهدين.
ولإخواننا في البلد الَّذي هم فيه أن يبدؤوا بقتال الصليبيين في بلدهم أو قتال المرتدِّين أو يجمعوا بينهما في القتال، فكلُّ ذلك واجبٌ مشروعٌ، والأولى بالتَّقديمِ ما كان أصلحَ وأنفعَ في الجهاد مع التزامِ جهادِ كلا الطائفتين، وإن أُخِّرت إحداهما للمصلحة، وأمَّا قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ) فليس فيه اختصاصٌ بجهاد المرتدِّين كما ذكر الأخ السائل في قوله: (فهذه الآية توجب قتال من يلينا من المرتدين من طواغيت الحكم ومن شايعهم) ، بل هو في قتال القريب أصليًّا كان أو مرتدًّا، ولو استوى الأصلي والمرتدّ في النكاية والضرر، فالأولى تقديم الأقرب منهما لا الأغلظ كفرًا بظاهر الآية.
وأُوصي الأخ السائل والثلة المُباركةَ معه سدَّد الله خُطاهم بالمُبادرة إلى الطاعة في غير تعجُّلٍ يُفسد العمل، والأناة في التخطيط والإعداد دون تأخيرٍ في أداء ما أوجب الله، ولا تأخذكم في الكافرين هوادةٌ، واحذروا دماء المسلمين، والتوسع في التأويل بالشُّبهات.
وأمِّروا عليكم أحدكم وأطيعوه فيما يأمركم، واحذروا الاختلاف والتنازع والفُرقة، وتمسَّكوا بالتوحيد والكفر بالطاغوت فإنَّه رأس الأمر، اعلموه علمًا واعملوا به عملًا وجهادًا.
واحرصوا على العلم الشرعي وتعلم التوحيد، وفقه الجهاد ومعرفة ما يُباح من الدماء وما يحرم، حتَّى لا يُشبّهَ على أحدكم بالورع البارد في الدماء التي أُمر بإراقتها، ولا يتوسَّعَ أحد بالتأويل الفاسد في الدماء التي أُمر بصيانتها، وسأكتب إن شاء الله شيئًا من الوصايا المهمَّة للمجاهدين وقادتهم تتضمن بيان هذا وأمور تشاكله.
ولا تُهملوا العلم العسكريَّ، مما يُعرف من السيرة النبوية وسير الخلفاء الراشدين وقادة المسلمين، ومما كتبه المجاهدون أو يكتبونه كموسوعة الجهاد ونشرة معسكر البتار، ومما كتبه غيرُهم من الكتاب المسلمين أو من الكفَّار مما يُستفاد منه العلم العسكريُّ الدنيويّ.
أسأل الله بعزّته وقدرته أن يصلح لكم شأنكم كلَّه، وأن لا يكِلَكم إلى أنفسكم طرفة عينٍ ولا أقلَّ من ذلك، وأن يهديكم ويسدّدكم ويحفظكم من بين أيديكم ومن خلفكم وعن أيمانكم وعن شمائلكم، وأعيذكم بعظمته أن تُغتالوا من تحتكم.
عبد الله بن ناصر الرشيد
الاثنين الثاني عشر من ربيع الثاني عام خمسة وعشرين وأربعمائة وألف