الصفحة 805 من 1360

إصلاح الغلط في فهم النواقض (2) الغلط في عصمة المرتدِّ بلفظ لا إله إلا الله

كتبه الشيخ: فرحان بن مشهور الرويلي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فمن الغلط الشائع عند كثير من الناس، ظنُّهم أنَّ من قال لا إله إلا الله لم يُخرجه من الإسلام شيءٍ، ولو ارتكب النواقض وتعوَّد المكفِّرات، ثمَّ يبنون على هذا حرمة القتل، وعصمة الدم والمال، فلا يكفّرون من يسبُّ الله ورسوله، أو يتولَّى أعداء الله، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يدعو المخلوقين من دون الله، وفي هذا مناقضةٌ عظيمةٌ لأصل التوحيد، ومعارضةٌ لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.

وحسبك أن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فإذا كان النبي الكريم صلوات الله عليه داخلًا في هذا العموم، غير مستثنى من هذا الحكم، مع اليقين بعصمته منه وبعده عنه، فكيف بمن كان من أمَّته؟

والَّذي يطرد هذا الأصل يعسر عليه أن يحكم بكفر مسيلمة الكذَّاب والأسود العنسي، وأمثالهم من المرتدّين بإجماع الصحابة والسلف الصالحين، بعد أن يعلم أنَّهم جميعًا كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وينتسبون إلى الإسلام، بل كانوا يشهدون لله بالوحدانية وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة.

وقد أُتي هؤلاء من فهم باطلٍ لبعض الأحاديث كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة"، وحديث: "يخرج من النار من قال لا إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من الخير"، ونحو هذه الأحاديث.

وقول لا إله إلا الله، يثبتُ به الإسلام ابتداءً بالإجماع ثمَّ يُطالَب من قالها بالتزام مقتضياتِها، من الأقوال والأعمال والاعتقادات، فإن لم يلتزمها سُلب اسم الإسلام الذي حُكم له به، وكان مرتدًّا كافرًا، وإن جاء بما يُناقضها كان مرتدًّا كذلك.

وكذلك من قال: أسلمتُ أو قال: صبأتُ يقصد الإسلام دون استهزاء، أو صلى مع المسلمين، أو فعل شيئًا مما يختصُّ بالإسلام، فإنَّه يُحكم له بالإسلام، وليس معنى هذا أنَّ الإسلام لا يزول ولو جحد الشهادتين مع التزامه بشيءٍ من الشعائر.

وقد حكم الله جل جلاله بكفر المستهزئين بالدين، ممن كانوا يخوضون ويلعبون في استهزائهم، فقال تعالى لهم: (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) ، وكانوا ينتسبون إلى الإسلام ويشهدون بألسنتهم أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولم يكن ذلك مانعًا لهم من الكفر.

وحكم بكفر المنافقين الذين يتولون الكافرين، وذكر عن المؤمنين أنَّهم حكموا عليهم بذلك فقال: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) .

وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الَّذي نكح امرأة أبيه، بالقتل وتخميس المال، وهذا حكم منه عليه بالكفر، وكفره من الاستحلال العملي، والحديث صححه جماعةٌ من أهل العلم منهم ابن تيمية.

وحكم الصحابة بردَّة من استحلُّوا الخمر، في قصة قدامة بن مظعون المشهورة في الصحيح، فأمر بهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهإن استحلُّوها بعد إقامة الحجة أن يُقتلوا ردةً وإن أقرُّوا بها أن يُجلدوا حدًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت