الصفحة 807 من 1360

(أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)

يكتبها الشيخ: أبو بكر بن ناجي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

منذ أن تُشرق شمس الهداية على نفس المسلم في مجتمعنا إلا وتبدأ معها سلسلة من الابتلاءات، وتتنوع مظاهر الابتلاء والفتن التي يواجهها المرء، وتبدأ تمر بالمرء مشاكل وأحداث عادية أحيانًا كان يواجه أصعب منها قبل الهداية إلا أن إحساسَه بها بعدما خالطت بشاشة الإيمان قلبه إحساسٌ مختلفٌ تمامَ الاختلاف، فهذه فتنة الزوجة وهذه فتنة المال وهذا ابتلاء له في عمله ومصدر رزقه وهكذا، وكلما نجح في مواجهة فتنة نكتت في قلبه نكتة بيضاء بقدر حجم الفتنة التي نجح في تخطيها فما زال إيمانه في ارتفاع.

قبل أن ننتقل إلى القضية الهامة التي سنتناولها في هذا المقال ينبغي تسجيل ملاحظة هامة هنا سيكون لها أكثر من دلالة في موضوع المقال ألا وهي أن كثيرًا منا عندما يراجع نفسه يجد أن أفضل حالاته الإيمانية كانت في الفترة الأولى من الهداية، لا يشترط أن تكون منذ اليوم الأول - وإن كانت تحدث أحيانا منذ اليوم الأول - وإنما في الفترة الأولى بصفة عامة، ولعل ذلك يفسر لنا كيف أن البلاء العظيم كان ينزل على الجيل الأول منذ اللحظة الأولى، وذلك ما دفع بعض المربين أن يُطلق عبارة (أن الإيمان يُولد جبلا في كثير من الأحيان) هذا مع افتراق أن الجيل الأول كان يولد إيمانهم كبيرًا إلا أن ما يواجهونه من الابتلاء وثباتهم في مواجهته يرفع من مستواهم الإيماني أكثر وأكثر بينما نحن للأسف نتعلم من كثير من المشايخ والمربين أن نتهرب من أي عمل يؤدي إلى ابتلاء فنبدأ في مرحلة النزول والهبوط، كذلك نسجل أن من اهتدى من الجيل الأول في مكة واجه الوقوع تحت فتنة ظهور واستعلاء الكفر، ومن اهتدى بالمدينة واجه فتنة الجهاد وبارقة السيوف.

في هذه الحلقة سنتناول أهم الفروق بين فتنة السجن والتعذيب وبين فتنة الجهاد وبارقة السيوف، وكذلك سنتناول موقف النفس البشرية منهما ومدى تقبلها لهما وإلى أي مدى يمكنها تحملهما ودلالة ذلك.

القائلون بأهمية مرحلة الابتلاء بالسجن والتعذيب قبل القيام بالجهاد تتفاوت درجاتهم ما بين فريق يغالي في هذا الأمر حتى أنهم ينصحون أتباعهم بتقبل ذلك والسعي إلى السجن والابتلاء وانتظار الفرج حتى بدون السعي الواقعي بأمر عملي يحقق الفرج، ولولا أني قرأت لمن يقول بذلك لما صدقت بوجود هذا الصنف من البشر، وهناك فريق يعتدل في هذا الأمر بأن يقوم بالصدع بالحق في وجوه أهل الباطل وبالإعداد المادي والمعنوي وجمع الأنصار المسلحين لا سعيًا وراء السجن والتعذيب ولكن إذا حدث صبروا وعدوا ذلك تربية للأفراد، أما الفريق الثالث فهو الفريق الذي فرّط في الأمر حتى إنه يبعد عن أي أمر يؤدي إلى مشاكل مثل الصدع بالحق في وجوه أهل الباطل أو الإعداد المادي، ولكن لا ينسى هذا الفريق أن يتبجح ويكون أكثر هذه الأصناف صياحًا: إنه في المرحلة المكية ومرحلة الصبر! ولا أدري ماذا ترك للمرحلة المكية من أحكام، فسبيل هذا الفريق جلّه مخالف للمرحلة المكية، فهو بين مداهنة وتعايش وتخبيص وتلبيس.

القصد: ما نريد قوله أن هذه الأصناف الثلاثة - على اختلاف حالهم - واقعون لا شك تحت فتنة ظهور واستعلاء الكفر وأهله وسيطرتهم على حركة المجتمع الذي يعيشون فيه بدرجات متفاوتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت