وما نريد أن نحذر الأصناف الثلاثة منه - بما فيهم الصنف المعتدل - أن إطالة مدة البقاء في الفتنة تحت أيدي الظالمين مدة طويلة يؤدي إلى تفلت الأتباع [1] فالنفس البشرية - غير المعصومة - مهما بلغت من القوة لا تستطيع أن تصمد مدة طويلة في مواجهة الباطل المُستعلي، فإن طول الأمد بدون مواجهة فعلية للباطل تظهر له آثار لا ينكرها من خالط شباب الإسلام مدة طويلة، فمنهم من انتكس كليًا ومنهم من ترى عليه فقط علامات الهداية الظاهرة من ثوب ولحية، وفي هذا تفسير لما حدث لجماعات كان يُضرب بها المثل في الثبات والصدع وكانوا يدخلون السجن ويخرجون أكثر ثباتا، إلا أنه عندما غُيب أتباعها في السجون فترات طويلة ظهرت التراجعات والرضوخ للجاهلية، بل حتى الصنف المفرِّط في الصدع بالحق والذي لا يواجه ابتلاءً شديدًا كالسجن ونحوه إلا أنه خاضع بدرجة ما كما ذكرنا إلى فتنة استعلاء الباطل وسيطرته على المجتمع فتجد أن دفعة المراحل الأولى له قوية ثم لا يلبث أن تجد فتورًا، ولا تنشط حركته إلا بحدث يدفع للحركة شبابًا يحمل دماء جديدة ويدخل الدائرة المفرغة من جديد؛ لذلك على الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحث أصحابه على الصبر والثبات ومزيد من الصدع بالحق، إلا أنه كان يعمل على عدم إطالة فتنة هذه المرحلة لقسوة طبيعتها عليهم، ففتح لهم باب الهجرة للحبشة ثم إلى المدينة، كذلك أذن لهم بالنطق بكلمة الكفر تحت ظروف معينة، كذلك عمل على الترتيب لمواجهة الباطل وجمع الأنصار المسلحين، فإن القائد الحصيف لا يترك أتباعه نهبًا للأعداء فترة طويلة من الزمن وإلا أدى ذلك إلى تفلت الأتباع، فيجب عليه أن يسعى حثيثا أن يخرجهم من الظلم الذي يرضخون تحته، ويعمل على استرداد حقوقهم، لذلك تجد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فترة بسيطة من استقراره بالمدينة أرسل سرية عبد الله بن جحش - رضي الله عنه- لترصد عير قريش لاسترداد بعض حقوقهم مع ما في ذلك العمل من فتح باب للمواجهة قد يلوح للبعض أنها كان يمكن أن تكون ذات عواقب غير محمودة، إلا أن هذه هي النفس البشرية السوية لابد أن تستخلص لها حقوقها وإلا فإن صبرها يوشك أن ينفد، حتى إن بلالًا - رضي الله عنه- عندما شاهد أمية بن خلف وقد كان أسيرًا لعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه-لم يتحمل أن يتركه وعبد الرحمن بن عوف يذب عن أمية ويصيح ببلال: إنه أسيري وبلال يردد فقط: لا نجوت إن نجا! لا نجوت إن نجا!!، إن النفس البشرية من لحم ودم وأعصاب ولها طاقة محدودة ينبغي مراعاتها وإلا لا يلومن قادة الحركات إلا أنفسهم إذا فوجئوا بتفلت الأتباع وانفضاضهم من حولهم واحدًا بعد الآخر أو سقوطهم على أقل تقدير في الفتور وانعدام العطاء، وساعتها ستنحل الحركة بالتدريج أو على أقل تقدير سيلجأ القائد إلى تحويلها إلى حركة مسخ باهتة حتى يحافظ على كيانها العددي بأن تتوقف الحركة عن أي عمل فيه تضحيةٌ كبيرة بالوقت وبالنفس وبالمال والمسكن ونحو ذلك، ويقوم بجعل الأحكام التي تصلح أن تكون استثناء في حق أفراد مخصوصين أو حالات معينة إلى قاعدة ومنهاج يسير عليها أتباعه، هذا فضلا عن لجوء البعض إلى لبس الحق بالباطل وإلباس الأوضاع الجاهلية لباسًا إسلاميًا حتى يستطيع أن يجيش أكبر عدد من الأتباع بدون إحساس بضغوط ويقوم في سبيل ذلك بلي أعناق نصوص الشرع.