إن الثبات في مواجهة هذه الفتنة والثبات في مواجهة فتنة الجهاد والقتال يرفعان من المستوى الإيماني للفرد وهما من أكثر ما يؤثر في تربية الفرد والجماعة المسلمة، لكن لماذا جعل الشرع مخارج من فتنة السجن والتعذيب واستعلاء الباطل (كالهجرة والتقية على تفاوت درجتهما الشرعية) ولم يجعل مخارج من فتنة القتال (وهو فتنة بنص الحديث: كفى ببارقة السيوف فتنة) بل جعله ماضيًا إلى يوم القيامة، وجعل التخلف عنه أو عن الإعداد المادي الجدي له - خاصة عند وجوبه - من علامات النفاق؟
أما بالنسبة لفتنة السجن والتعذيب فهو ما قلناه أنه مع أهميتها خاصةً في البدايات إلا أن طول مدتها يؤدي إلى تفلت الأتباع، أما فتنة الجهاد فهي:
أولًا: مشروعةٌ لدفع فتنة أكبر (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) بل إن أعظم الفتن وهي الفتنة عن الدين بالسجن والتعذيب لا تُدفع إلا بالقتال.
ثانيًا: إن فتنة القتال - على ما فيها من بلاء عظيم - يتخللها من العزة والمشاعر العظيمة ما يُذهب كثيرًا من أثرها على النفس حتى إنها باب لذهاب الهم والغم.
ثالثًا: القتل في سبيل الله - وهو أمنية يتمناها الكثير تحت التعذيب - يناله الإنسان بسهولة في الجهاد، وإذا فتحنا الحديث حول هذه النقطة لن ننتهي، فعلى الرغم من الفتنة الشديدة بالدماء والجماجم وتطاير الأشلاء إلا أن النفس البشرية تستطيع أن تتقبله لمدة طويلة بل تزداد حبًا له وطلبًا له على عكس فتنة السجون.
كذلك فتنة استعلاء الباطل وما يصاحبها من أذى كسجن وتعذيب تعالج جوانب محدودة في النفس البشرية كالكبر وككيفية دفع النفس لأن تذل في سبيل الله وكيفية تحويل النفس الرخوة إلى أن يصلب عودها، لكنّ طولَها أكثر مما ينبغي قد يؤدي إلى أن تنكسر عزة الإنسان خاصة إذا صاحبها إذلال شديد من الباطل المُستعلي يقابله جبن خالع من الأفراد الذين يحملون الحق وسلبية في تدبير المُعالجة بالسنن الصحيحة، بينما الجهاد يعالج جميع جوانب النفس: النفس عند النصر، والنفس عند الهزيمة، والنفس عند العُجب، والنفس عند الفتح والعلو، فهو يصوغ الشخصية المتكاملة، لذلك تجد قلة من الصحابة هم من مر بالفتنتين بينما معظم الصحابة مر فقط بفتنة الجهاد؛ لأن مراحله تكفي في جملتها في صياغة الشخصية المؤمنة والفئة المؤمنة التي ستتحمل بعد ذلك أمانة الدماء والأعراض والأموال، دماء الناس وأعراض الناس وأموال الناس.
فالجهاد فتنة وفيه دواء هذه الفتنة يخيفك أعداء الله وتخيفهم، ويكفيك عزة أن تحمل سلاحك متحررًا من كل أغلال العبودية للباطل خاضعا لأوامر الله وحده خالقك ورازقك.
الخلاصة: أن الابتلاء بالسجن والتعذيب والصبر لفترة تحت استعلاء الكفر وأهله والابتلاء بجهاد الكفر وأهله كلاهما مهم لتربية الجماعة المسلمة والفرد المسلم ولرفع المستوى الإيماني، إلا أن الابتلاء بالسجن لا ينبغي أن يُسعى إليه حتى ونحن نفعل ما يؤدي إليه حتمًا كالصدع بالحق، فنحن نصدع بالحق ونسأل الله العافية، كذلك إذا حدث ينبغي ألا تطول مدته، بينما الابتلاء والفتنة بالجهاد وبارقة السيوف يؤمر بالسعي إليه، وهو ماض إلى يوم القيامة فلا ضرر معتبر على النفس من أن تطول مدته.