رجع المجاهدون ليجدوا أنفسهم قد قضوا قريبًا من الشهر ابتلوا بشيء من البلاء الذي وصفه الله بقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) وكانت أجسادهم قد ضعفت وهزلت لقلة الطعام والشراب وكثرة المشي مع ما أصابهم من الخوف والبرد والعطش، ويذكر أنه على مدار أيام هذا الحصار كانت قوات الطواغيت تبحث عن أبطال العمارية بحثًا دؤوبًا وترسل العيون والطلائع فإذا ما أحسوا بوجود المجاهدين أو عثروا على شيء من آثارهم استدعوا قواتهم الكثيرة وسط استعداد ضخم وحصلت من هذا حملتان تقريبًا خلال شهر الحصار استمرت كل حملة أيامًا يتبجح الطواغيت عبر إعلامهم في بدايتها بأنهم على وشك القبض على المجاهدين لتمضي الأيام دون أن يحققوا مبتغاهم وليكبتهم الله ويردهم خائبين.
وهنا فائدة في مثل هذه المواقف وهي الحرص على عدم ترك آثار يستدل بها العدو على المجاهد من مخلفات الطعام أو الشراب أو موقد النار أو أي شيء آخر يدله على طريق سير المجاهد ويدله أيضًا على عدد المجاهدين وبعض إمكانياتهم وأدواتهم أو أي شيء آخر يستفيد منه في معرفة حال عدوه إن كان المراقب المتابع فطنًا، وكتمان حال المجاهد عن عدوه في أحوال الجهاد كلها أمر ضروري فمهما استطعت أن لا يعلم عنك عدوك شيئًا فافعل إلا في حالات خاصة تقدر بقدرها.
هذه القصة العجيبة لها نظائر في تأريخ الجهاد القديم والحديث ففي القديم قصة سرية أبي عبيدة رضي الله عنه وقد رواها مسلم رحمه الله عن جابر رضي الله عنه فقال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة قال فقلت كيف كنتم تصنعون بها قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله قال وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر قال قال أبو عبيدة ميتة ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاث مائة حتى سمنا قال ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقتطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا قال فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.
وأما في العصر الحديث فمسيرة انحياز المجاهدين في الشيشان من جروزني (مسيرة شاتوي) وكانت من العجائب أيضًا ودونت أحداثها في قصة (رحلة الشتاء والصيف) ونشرها موقع القوقاز وكان الشيخ يوسف العييري رحمه الله أحد المشاركين في كتابتها، وبهذا ننهي الحديث عن جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل أجراها الله في هذا البلد الطاهر، وأكرم المجاهدين فيها بالانتصار فله الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان ..
الآن في مركز الدراسات والبحوث الإسلامية