أجله، ما مقصود النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له وما يبالي ما أصابه في الدعوة، إذا وحّد معبوده حصل مقصودُه، إذا عبد محبوبه حصل مطلوبُه، إذا ذكر ربه رضي قلبه, وأما جسمه فلا يبالي ما أصابه في سبيل الله ما يؤلمه أو ما يلائمه، استمر على ذلك ثلاثة عشر سنة ثم أمر بعد ذلك بالهجرة إلى المدينة وأمر بالقتال أخرج أحمد والنسائي والترمذي عن ابن عباس قال لما أُخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فنزلت: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) فعرفت أنه سيكون قتال، قال ابن عباس: (فهي أول آية نزلت في القتال) فظهر الإسلام بعدما أذن بالقتال وعز، وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس في دين الله أفواجًا بعد فتح مكة وأظهر الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، وعن الحسن قال: (لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قالت العرب: أما إذ ظفر محمد بأهل مكة، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فدخلوا في دين الله أفواجًا) وهل يظهر الإسلام ويعز أهله إلا برفع راية الجهاد وبعد الفتح أقبلت الوفود في الدخول في الإسلام وسمي عام الوفود وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان في مكة في أول الإسلام لم يجد من يؤويه، بل رموه عن قوس واحدة فحينما سل السيف وأزال الرؤوس عن الأجساد دخل الناس في دين الله طوعًا أو كرهًا فعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "أسلم" قال: أجدني كارهاَ قال: "أسلم وإن كنت كارهاَ" رواه أحمد بسند صحيح، وقال لعدي بن حاتم: "أسلم تسلم" كما عند أحمد، وروى البخاري عن عمرو بن سَلِمة قال: (كانت العرب تَلوَّمُ بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن يظهر عليهم فهو نبيٌ صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كلُّ قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقًا) التَلوُّم هو الانتظار والتلّبث، قال ابن عبد البر: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف، منهم من قدم ومنهم من قدم وفده. اهـ
فكل من نصر دين الله ورفع راية الجهاد اتسعت رقعة الإسلام على يديه ودخل الناس في دين الله أفواجًا، قال تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ) أما ما عليه المثبطون المخذولون بأن الجهاد سبب تراجعٍ للدعوة وإغلاق المؤسسات الدعوية وضيق على الناس وسجن الكثير من طلبة العلم والدعاة وكثرة نقاط التفتيش وإلى غير ذلك من الأمور التي فيها معاناة فهذا لابد منه فإن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه حصل لهم من الشدة بعد غزوة بدر أشد مما كان قبل فمن ذلك لم يستطع أحد منهم الذهاب للعمرة والطواف بالبيت بل ذهبت أنفس ولم تؤمّن الطرق وأوذي المسلمون في مكة وزيد في تعذيبهم وضاقت المعيشة ورمتهم العرب عن قوس واحدة وتكالبوا عليهم يوم الأحزاب، وفي الصحيحين عن حذيفة رضي الله عنه قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس" فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة، فلقد رأيتنا ابتلينا، حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف) هذا لفظ البخاري.