سيرة شهيد مساعد السبيعي رجل في زمن قلَّ فيه الرجال
بقلم: عبدالله أبو نيان السبيعي
عاش مساعد رحمه الله كأي شاب يحب اللهو والعبث في بداية شبابه، وقد عرف بين أقرانه في هذه الفترة بالإخوة الصادقة، ولم يكن ذلك تدينًا بل طبيعة فطرية وشهامة أودعها الله في ذلك الرجل.
وبعد هذه الظلمة التي عاشها بعيدًا عن درب الله شرح الله صدره للهداية ونور الدين، وكان في بداية هدايته مولعًا بالجهاد والمجاهدين، يتتبع إصداراتهم، ويشاهد عملياتهم، فتاقت نفسه إلى الالتحاق بإخوانه المجاهدين في أفغانستان، وكان كثيرًا ما يسمع عن المعسكرات التي تقام هناك، فأخذ يتحسس الأخبار ويبحث عمن يوصله إلى هناك، ويسّر الله له أحد الإخوة الأفاضل فذهب له مساعد بصحبة خمسة من إخوانه وكان فرحًا مسرورًا لأنه وصل إلى ماكان يطلبه.
وصل البطل إلى أفغانستان، والتحق بإخوانه وأخذ يعد العدة ويستعد عسكريًا وإيمانيًا في تلك المعسكرات المباركة، وبعد مضي ما يقارب شهرين من الإعداد أصيبت رجله عندما سقط عليها، وقد أقعدته هذه الإصابة، فأراد الرجوع إلى أرض الجزيرة لكي يعالج رجله، ورجع بالفعل وبدأ يعالج من إصابته.
ولكن .. هل تحسبه كلّ أو ملّ من سلوك هذا الطريق؟
كلا، فلقد بدأ في طلب العلم والحضور عند العلماء والتحريض على سلوك درب الجهاد، ووجد في هذه الفترة بعض الإخوة الذين يعملون في الجزيرة فالتحق بهم، وكان يسعى في قضاء حوائجهم وخدمة دين الله عز وجل.
وخلال هذه الفترة أتت ضربات نيويورك وواشنطن المباركة، وجاء بعدها الإخوة من أفغانستان، وكان رحمه الله ممن سهّل عملية دخول كثير من الإخوة إلى بلاد الحرمين، فقد كان له رحمه الله معارف كثيرون، وكان لأجل ذلك لا يأتي منزله إلا من حين إلى حين فقد كان كثير الأسفار في خدمة إخوانه والسعي في قضاء حوائجهم وتسهيل أمورهم، فعليه رحمة الله.
بعد ذلك أسر رحمه الله، ولكن الطواغيت لم ينجحوا في أن يثبتوا عليه أي شيء، وقضى رحمه الله شهرين في السجن، ثم خرج بعد ذلك من السجن ولسان حاله:
خرجنا من السجن شمّ الأنوف ... كما تخرج الأسد من غابها
نمرُّ على شفرات السيوف ... ونأتي ... المنية ... من ... بابها
ستعلم ... أمتنا ... أننا ... ركبنا ... الخطوب ... هيامًا ... بها
خرج البطل من السجن ولم تلن له قناة، ولم يقر له قرار عن سلوك درب الجهاد، فأخذ في هذه الفترة يحث إخوانه ويحضهم على سلوك درب الجهاد، وكانت تلك الفترة الحملة الصليبية على العراق على الأبواب، وأذكر أنه كان مهمومًا رحمه الله لمصاب إخواننا هناك، وكان يريد النفير إلى أرض العراق ولكن الطواغيت قد سحبوا جوازه، فأخذ يحرّض الشباب للذهاب إلى ساحات الجهاد، وكنتُ ممن حرضه الأخ مساعد تقبله الله على النفير إلى هناك.
مازلت أتذكر أنه في بداية أحداث العراق اتصل علي في إحدى الليالي عند الساعة الحادية عشرة مساءً، وطلب مني أن آتيه، فلما ذهبتُ إليه أخبرني بأن هناك بعض الإخوة سيذهبون إلى العراق (وقد قُتلوا الآن في العراق جميعهم نسأل الله أن يتقبلهم) ، فقال لي: إنهم يبحثون عن شخص يذهب معهم، فلم أجد إلا أنت، فأخبرته أنني موافق وأنني أريد الذهاب، ولكني قلت له: كيف أذهب وليس لدي جواز، فقال لي: لا عليك، سأنهي جميع أمورك بإذن الله.
وبالفعل ذهبنا من الغد واجتهدنا في موضوعي وكنا نبحث عن بعض الأوراق، وخرج في هذه الفترة الشهيد البطل: عبد الإله العتيبي رحمه الله من السجن وأصبح ثالثنا في رحلة البحث هذه.