وفي هذه الأثناء كان مساعد رحمه الله يلتقي بالشهيد: عبد المحسن الشبانات، وكانت بينهما علاقة أخوية ومودة، وكان عبد المحسن رحمه الله له اتصّال بالإخوة الذين يعملون في الجزيرة ولم يكن مساعد يعلم بذلك رحمه الله، وفي أحد الأيام كان مساعد وعبد المحسن في أحد المجالس ومعهما أحد الإخوة الذين يعملون في الجزيرة، فأخبره إخوانه بأن هناك عملًا في الجزيرة على الصليبيين وأعداء الدين، فسرّ كثيرًا رحمه الله ولكنه أخبرهم أنه مرتبطٌ مع إخوانه ولا بد أن يرجع ويستأذنهم - هكذا كان رحمه الله في جميع شؤونه لا يترك مشورة إخوانه - فرجع إلينا وأخبرنا فسررنا جميعًا، وتبايعنا على العمل في سبيل الله حتى الموت نسأل الله الثبات والقبول.
والتحق البطل بإخوانه في الجزيرة، وكان يريد الدخول في عملية استشهادية، وأذكر أنه كان كثيرًا ما يتحدث عن العمليات الاستشهادية وفضلها وشوقه لها، وكان يتمنى ويدعو بأن يرزقه الله بعملية ترضيه عنه وتقربه إليه جلّ جلاله ويثخن بها في أعداءه، وكان كثيرًا ما يذكّرني بالشهادة، وفي أحد الأيام وبعد صلاة الفجر قام أحد الإخوة فتكلم عن فضل الشهادة وعن العمليات الاستشهادية، وكان مساعد رحمه الله بجواري، فأجهش بالبكاء، ومازال صوت شهيقه وبكائه في أذني من شدة شوقه إلى لقاء الله.
قال له أحد الإخوان ذات يوم: لا تدخل في عملية استشهادية، وابق لكي تعمل لدين الله، فانتهره مساعد رحمه الله وقال له: والله إني مشتاق إلى لقاء ربي عاجلًا غير آجل، وإن كلمتني في هذا الأمر والله لا أكلمك ثانيةً!! وقد قال لي في أحد الأيام: أريدك أن تبايعني، فقلت له: على ماذا؟ فقال: على أنه إذا قدّر الله وحصل علينا مداهمة أن أبقى أنا وأنت ونغطّي على إخواننا لكي ينسحبوا!!.
وكان رحمه الله يريد أن أكون أنا وهو في مجموعة واحدة وأن لا نفترق، ولكن في أحد الأيام جئت إليه وأخبرته أنني سأذهب إلى مجموعة أخرى، فحزن رحمه الله وأخذ يبكي، وقبل أن نفترق أوصاني بوصايا غاليات مازلت أذكرها، فقد أوصاني بألا أترك إخوتي وألا أنسى لأحدٍ معروفًا، وأوصاني بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه: احفظ الله يحفظك .. ، ومن وصاياه: آيتان في سورة آل عمران، قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) .
وودعت أخي البطل الشهيد مساعد رحمه الله، وافترقت عنه، ثم التقيت به بعد عدة شهور من الفراق في نفس ليلة المداهمة التي قتل فيها رحمه الله - ليلة عيد الفطر من عام 1424 هـ - ولا تسل عن فرحته رحمه الله عندما رآني، وأخذنا نتحادث ونسمر في تلك الليلة، وكان قد أخبر إخوانه رحمه الله قبل عدة أيام وفي شهر رمضان المبارك أنه سيعيّد في الجنة!! فلما أصبح الصباح وحلّ عيد الفطر المبارك، كنت وإياه قبل المداهمة بخمس دقائق وهو يقول لي: أنا كنت متوقع أني أعيّد في السماء، وكان يتحدث عن الجنة وعن قصة أنس بن النضر رضي الله عنه وعن إخواننا الذين قُتِلوا رحمهم الله وألحقنا بهم، ولم أدقق في كلامه إلا بعدما قتِل رحمه الله، وإني والله الآن لأتعجب من كلامه.