إصلاح الغلط في فهم النواقض (3) الغلط في عصمة المرتدِّ بلفظ لا إله إلا الله
كتبه الشيخ: فرحان بن مشهور الرويلي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فإنَّ معرفة ما يثبت به الإيمان والكفر من أهم أحكام الإيمان، فبذلك يُعرف المؤمن من الكافر، وأحكام الدنيا والآخرة متعلقة بهذا التمييز بين المؤمنين والكفار، ومن لم يعرف بم يثبت الإيمان والكفر لم يعرف المؤمن من الكافر، وباب معرفة ما يثبت به الإيمان والكفر واسع عريض، يدخل فيه الكلام على حقيقة الإيمان ومحله ونواقضه وشروط التكفير وموانعه، والمراد في هذا المقال المختصر الحديث عن مزلقٍ من المزالق في هذا الباب وثغرة يكثر الغلط فيها.
وكل من الإيمان والكفر له شعبٌ وفروعٌ، وهذه الفروع منها ما هو أصلٌ للإيمان لا يتم إلا به، أو أصل من أصول الكفر يكفر من وقع فيها، ومنها ما هو دون ذلك من مكملات الإيمان أو مسائل الكفر الأصغر.
والغلط الذي يقع فيه كثيرٌ من الناس هنا، هو المساواة بين الإيمان والكفر، وبين شعب الإيمان وشعب الكفر، وفروع هذا الغلط تتجلَّى في صورتين:
الأولى: اعتقاد أنَّ الإيمان يثبت ببعض شعبه، وأنَّ الكفر يمتنع ببعض شعب الإيمان، كفعل من يستدلُّ على إيمان الرجل ببعض الشعائر، كمن يستدلُّ على إسلام الحكومة السعودية المرتدَّة بما يتظاهرون به من رعاية الحاجِّ، وطباعة المصحف، والقيام على شئون الحرمين، وهذه لو صحَّت شُعبٌ من شعب الإيمان، والإيمان لا يثبت ببعض شُعبه، ويمنع في المقابل من تكفير من ثبت كفره بالأدلَّة، لوجود بعض شعائر الإسلام وفروع الإيمان عنده، فلا يكفر من سب الله لأنه يحبُّ الله، ولا من تولى الكافرين لأنَّه ناصر مرةً بعض طوائف المؤمنين، ولا من يسجد للأصنام والقبور والأولياء والأضرحة لأنَّه يسجد لله ويصلي له.
الثانية: اعتقاد أنَّ الكفر لا يثبت إلاَّ باجتماع شُعبه، كمن يرى أنَّ الَّذي يعبد الأصنام لا يكفر حتَّى يجمع مع العمل الكفريِّ الاعتقاد بربوبية تلك الأصنام، ويرى أنَّ من عبد الأولياء لا يكفر لأنَّه لم يترك عبادة الله، ويعتقد أنَّ من عبد الأضرحة والقبور لا يكفر حتَّى يعتقد أنَّ ذلك كفرٌ ويقصد إليه، أو أنَّ من فعل الكفريات التي كانت لدى كفار قريش لا يكفر حتَّى يجمعها جميعًا، بل حتَّى يجمع جميع ما لدى كفار الجاهلية من الكفر؛ فينكر الرسالة والبعث بعد الموت ويعتقد لله الولد والصاحبة ونحو ذلك، ويرى أنَّ الطواغيت الحاكمين بغير ما أنزل الله لا يكفرون حتَّى يمنعوا الصلاة والزكاة، ويحرّموا إعلان التوحيد والجهر به، ويُبيحوا المنكرات جميعًا، ويسبوا الله ورسوله ودينه وكتابه على رؤوس الأشهاد.
وهذا الغلط ينكشف عند من له أدنى تأمُّل في الأدلَّة، وفي حال من كفرهم الله ورسوله، وحكم بكفرهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثيرٌ ممن يقع في هذا الغلط لا يعلم به ولو أُلزم به أنكره وما التزمه، ولكنَّك تجده عند النظر في المسائل والمناظرة في الحكم بتكفير بعض المعينين، يقع فيه من حيث لا يشعر، ويكون من أكثر أسباب الغلط والزلل عنده.
وهذا الغلط أيضًا هو منشأ غلط المعتزلة الذين قالوا بالمنزلة بين المنزلتين، فتصوروا الكفر كالإيمان لا يثبت إلا باجتماع بعض الشعب، فلما قالوا بسلب الإيمان عن فاعل الكبيرة لم يستطيعوا إدخاله في الكفر لأنَّه لم يجمع ما يحصل به الكفر عندهم، فقالوا بأنَّه خرج من الإيمان ودخل في الكفر، مع أنَّهما نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كما أنَّ من خرج من النور فهو في الظلمة ومن خرج من النهار فهو في الليل.