الصفحة 854 من 1360

والتصور الصحيح للإيمان وحقيقته وما يثبت به، هو أنَّ الإيمان كيفية من الأعمال والأقوال والاعتقادات، لا يثبت اسم الإيمان والإسلام إلا بوجودها، والسلامة من نواقضها وموانعها، فلا بد في الإيمان من اجتماع أركانه والسلامة من نواقضه، أمَّا الكفر فكلُّ ما أخرج عن الإيمان: من انتقاص شيءٍ من أركانه، أو ارتكاب شيءٍ من نواقضه المخرجة من الملَّة، فهو مدخلٌ في الكفر بالضرورة، وليس بينهما منزلة، فالكفر ثابتٌ في كل صورةٍ حكمنا فيها بانتفاء الإيمان وانتقاضه.

ولهذا الأمر كان الإيمان سبيلًا واحدًا والكفر سبلًا متفرقة، قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) ، فأمر باتباع السبيل المستقيم الذي هو الإيمان، ولا يحصل الإيمان إلا باتباعه، ونهى عن اتباع السبل المفرقة عن سبيله، وكل سبيلٍ منها غير سبيل الإيمان هو الكفر، وسبب كثرة ألوان الكفر وأنواعه أنَّه عدمٌ، يثبت حيث انتفى الإيمان، وهذا يكون في فروع وشعبٍ كثيرةٍ، فيُقابل كل شعبةٍ من شعب الإيمان كفر مناقض معارضٌ لها، أما الإيمان فهو سبيل واحد لا يختلف.

والمأمور بأمرٍ له سبيل واحد في امتثال هذا الأمر، أما مخالفته فسبلها أكثر من أن تنحصر، وهذا معلوم بالأمثلة التي يعيشها الناس ويعرفونها من أمور الدنيا، فلو أُمر رجلٌ بسلوك طريقٍ، لم يكن امتثال الأمر إلا بسلوك الطريق بعينها، أما المخالفة فتكون بسلوك مائة طريقٍ غيره، أو بالقعود عن سلوك شيءٍ من الطرق كلها، فهذا مثال الإيمان والكفر.

ومثل الآية السابقة في الدلالة على أنَّ سبيل الإيمان واحدة وسبل الكفر كثيرة متفرقة قوله تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) فجمع الظلمات ووحّد النور مرتين: عند ذكر خروج المؤمنين من الظلمات المتفرقة إلى النور الواحد، وعند ذكر خروج الكافرين من النور إلى الظلمات.

وفي الحديث الذي رواه أحمد وأصحاب السنن عن ابن مسعود: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا بيده ثم قال هذا سبيل الله مستقيمًا، وخط عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) .

والأمثلة التي يُفهم بها هذا الغلط ووجه الصواب فيه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وكتاب الله وسنة رسوله، ومن أفعال الصحابة رضوان الله عليهم أكثر من أن تحصر، ولينظر من أراد التثبت في كل صورةٍ من الصور التي حُكم فيها بالإسلام على أحدٍ أو بالكفر عليه، وسيجد ما ذكرناه جليًّا من ثبوت الكفر مع بقاء بعض شعائر الإسلام وعدم اجتماع شعب الكفر، وعدم الدخول في الإسلام مع وجود بعض شعائره والعبادات الصحيحة فيه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت