ونمثل لتحرير العبادة من القيود بهذا المثال ليتضح المقال: لقد شرع الله الصلاة لمن كان قبلنا، ولكن ربط الله سبحانه وتعالى أداء تلك العبادة بأماكن مخصوصة كالبيع والصوامع وغيرها، وعندما شرع الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم الصلاة حرر الله تلك العبادة من القيد المكاني فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم مالم يعط أحدا من الأنبياء قبله وكان مما أعطي كما في الصحيحين حيث قال صلى الله عليه وسلم عن جابر رضي الله عنه (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) فأصبحت الأرض كلها صالحة لأداء تلك العبادة إلا سبعة مواضع استثنيت من الأرض بنصوص أخرى في حال الاختيار لا الاضطرار أيضًا، فتحرير هذه العبادة من هذا القيد سهل ويسر أداءها لكل عبد، علمًا أن وضع ذلك القيد ورفعه كان تشريعًا من الله سبحانه وتعالى لحكمة هو يعلمها.
ونحن اليوم في ذكرنا لثوابت شعيرة الجهاد نحاول أن نرفع القيود الظالمة الآثمة الفاجرة التي وضعها حثالة البشر وعارضوا بها نصوصًا شرعية قطعية الثبوت والدلالة، فسمعنا ممن ينتسب للإسلام من يزعم بأن تصادم الحضارات هو دمار وخراب، والإسلام بريء من ذلك التصادم ونحن بحاجة إلى تعايش الحضارات وبحاجة إلى السلام ونبذ العنف والنزاع المسلح (الجهاد) ، ورأينا أيضًا عددا لا حصر لهم يدخلون في المؤتمرات الرامية إلى حرب تلك الشعيرة أو إلغائها باسم التسامح أو الوسطية أو حوار الأديان، فبعيدًا عن مباركة بعض المنتسبين للإسلام لهذا التحالف الصليبي الواضح الذي يشن هجمته المسعورة على الجهاد والمجاهدين، نجد أننا أمام عدد كبير أيضًا ممن ينتسبون للإسلام وهم يباركون المؤتمرات واللقاءات القائمة على حرب الجهاد سواءً باسم العنف أو الإرهاب.
ولمواصلة إيضاح المعالم الثابتة على درب الجهاد، وللرد على الدعاوى المنددة بالجهاد من هنا وهناك، نقف في هذه الحلقة مع ثابتين من تلك الثوابت يزول بفهمهما بعضٌ مما ألحق بالجهاد ظلمًا.
أول الثوابت:
الجهاد ماض إلى يوم القيامة:
إنَّ العالم اليوم إلا من رحم الله يقف بكل قواه العقدية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والشعبية، يقف وقفة واحدة بكل ما أوتي من قوة، أمام شعيرة من شعائر ديننا الحنيف ألا وهي شعيرة الجهاد في سبيل الله تعالى، تلك الشعيرة التي فرضها الله علينا بقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) وبقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) وقال في آخر ما نزل في حكم الجهاد مؤكدًا عليه: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) .