الصفحة 944 من 1360

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحابته والتابعين، أما بعد:

فما مضى زمان في هذا العصر الآخر، اشتعلت فيه جذوة الجهاد، وتواترت العمليات، وظهرت شوكة المسلمين وقوة الإسلام وعزة الدين للعيان، مثل ما ظهر الآن، فالجهاد في أفغانستان يُذيق الأمريكان والمرتدين ألوان العذاب، وفي الشيشان فتوحاتٌ عظيمة وعمليات مستمرة، وفي العراق ما لا يُحيط به الوصف من الجهاد المبارك بفضل الله ومنّته على حداثة الجبهة وقرب تأسيسها، وفي جزيرة العرب والجزائر وغيرهما جبهاتٌ ملتهبةٌ على الكافرين، والعالم كله ينتظر الضربات على الصليبيين وأوليائهم في المشارق والمغارب لا يدري أحدٌ أين الضربة الآتية لجند الله المجاهدين في سبيله.

وكثير من العمليات التي يقوم بها المجاهدون تصادف الشهر الحرام، وشهر رجبَ آتٍ قريبٌ، تنتهي فيه مهلة الطاغوت عبد الله للمجاهدين في الجزيرة، ويأتي بعد انتهاء مهلة أبي عبد الله أسامة بن لادن للدول الأوروبية، ويأتي في أشدِّ الصيف الذي يتمكن فيه المجاهدون في أفغانستان والشيشان من الإعداد والعمل والجهاد، فوجب بيان حكم الجهاد في هذا الشهر، وحكم ما يفعله المجاهدون، وأوجزت الكلام على هذه المسألة في أربع مقالاتٍ تأتي بإذن الله على فروع هذه المسألة وتُبين بهدايته سبحانه الحقَّ من الأقوال فيها.

والذي لا يُشكُّ فيه أنَّ عمليات المجاهدين اليوم مشروعةٌ لا يجري فيها شيء من الخلاف الآتي ذكره، فهي من جهاد الدفع الذي هو قتال اضطرار لا يتعلق بشهر حرام ولا غيره، وهي في مقاتلة عدو لا يحترم للشهر الحرام حرمةً، وهذان مما يُبيح القتال في الشهر الحرام بالاتفاق كما يأتي تفصيلًا بإذن الله.

والله عزَّ وجلَّ خلقَ الأشياء والأزمنة والأمكنة، وخصَّ منها ما شاء بما شاء من الخصائص والأحكام، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) ، وكان مما اختار الله من الأزمنة عصورًا، خصَّ بعضها بالأنبياء، وبعضها بشيءٍ من بركات الأرض والسماء، وكان مما اختاره جل وعلا، أوقاتٌ من اليومِ، فخصَّ الثلث الأخير من الليل بنزوله جلّ وعلا، وأمر بالذكر قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، وأوقاتٌ من بعض الشهور، كأيَّام عشر ذي الحجّة، وليالي رمضان، والعشر الأواخر منه، وليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، وشهورٌ من العام منها رمضان الّذي أُنزل فيه القرآن، والأشهر الأربعةُ الحرمُ.

وقد أُجمع على تعظيم هذه الأشهر وتغليظ المحرّمات فيها، وكان القتال فيها محرّمًا، ثمَّ ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنَّ تحريمه منسوخٌ، والراجح بقاء الحكم، إلاَّ أنَّ محلَّه بالإجماع جهادُ الطلب لا جهاد الدفع، والشريعة جوَّزت مقاتلة من قاتلنا في الشهر الحرام بنصِّ قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ، والكفَّار اليوم يُقاتلون المسلمين في كل وقتٍ وحالٍ، لا يُحرّمون فيهم شهرًا حرامًا، ولا يرعون إلاًّ ولا ذمامًا.

وتعظيم الأشهر الحُرُم في الشَّريعة، ثابتٌ متأكِّدٌ من وجوه منها:

الأوَّل: أنَّ تعظيمها ثابتٌ يوم خلق السموات والأرض، فقال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) .

وظاهر الآية أنَّ تحريم الأربعة الحرم في وقت خلق السموات والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت