الثاني: أنَّها كانت ممّا تعظّمه العرب في الجاهليَّة على تفرّقها واختلاف ديارها، حتّى سمّوا الحروب التي كانت فيها بحروب الفجار، فدلَّ أنَّها من بقايا دين إبراهيم عليه السلامِ.
الثالث: أنَّ الله عزَّ وجلَّ وصف القتال فيها بأنَّه كبير، فقال: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) .
الرابع: أنَّ الله عزَّ وجلَّ نهى عن إحلاله فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) .
الخامس: أنَّ الله سبحانه قرنها في الآية السابقة بمحرّمات عظيمة، من شعائر الله، والهدي، والصَّدِّ عن البيت الّذي عظَّم الله به فعلة الكافرين في غير موضعٍ من القرآن.
السادس: أنَّ الله جعل التلاعب بتحليلها وتحريمها من زيادة كفر المشركين في الجاهلية، فقال: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) .
السَّابع: أنَّ الله خصَّها من بين الشهور بحكم التحريم واسمه، كما خصَّ مكّة في القرآن، والمدينة في سنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم بالتحريم، فهي في الأزمنة، كمكّة والمدينة في الأمكنة.
الثامن: أنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم، ضربَ به المثل في الحرمة فقال: "إنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ، كحرمةِ يومِكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".
التاسع: أنَّها قيامٌ للناس وصلاحٌ لأمرهم ومعاشهم، كما قال سبحانه: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) الآية، فبها يأمن الخائف ويسعى الناس في المعايش، ولولا مشروعيّتُها ضاقت بالناس السبل وانقطعت الحيل وانسدّت أسباب التجارة.
العاشر: معنى التحريم في الشهر الحرام.
أصل التحريم في اللغة المنع، والمنع عن شيءٍ يكون لأحد سببين:
الأوَّل: شرف من مُنعَ والمحافظة عليه، وكون المحرَّم مما ينقص من قدره أو يضرُّه، ومن هذا تحريم الخبائث والخمر، والفواحش ونحوها.
الثاني: شرف ما مُنعَ، وكون التعدِّي عليه انتهاكًا له، ومنه تحريم المحرّمات الزَّمانيَّة والمكانيَّة، كالحرمين، والأشهر الحرم.
والتحريم في الأشهر الحرم، يتعلّقُ بأمرين:
الأوَّل: تحريم القتال فيهنَّ خاصَّة.
الثَّاني: تغليظ سائر المحرَّمات.
فأمَّا الأوَّل، ففيه قول الله عزَّ وجلَّ: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) ، وغيره.
وأمَّا الثَّاني؛ فقال سبحانه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .
ويُلحقُ بتغليظ المحرّمات في الشَّهر الحرام، تغليظ الدِّيات، فحكم جمهور الصحابة - وحُكيَ إجماعَهم - بتغليظ الدية في الشهر الحرام، ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصحّ عنه، وهو مذهب الحنابلة والشافعية؛ على خلاف في كيفيَّة التغليظ.
هذا والله أعلم، وصلى الله على محمد وسلم، وعلى آله وصحابته أجمعين.
ذروة سنام الإسلام