الصفحة 26 من 41

(إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون) الأعراف 30، وقوله تعالى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى) البقرة 111، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، وتقييد التكفير بالاعتقاد هو مذهب غلاة المرجئة كما سبق تقريره، وإلا فالحكم بالكفر في الدنيا يترتب على الأقوال والأفعال الظاهرة.

بقي أن نقول: إن إحسان الكافر ظنه بنفسه إنما هو عقوبة من الله له على إعراضه عن الحق فيظن أنه على الهدى فيتمادى في كفرِه وضلاله كما قال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) الزخرف 36 ــ 37، وقوله تعالى (أفمن زُيِّن له سوء عمله فرآه حسنًا) فاطر 8، ومثلها الأنعام 122، وقوله تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) الصف 5، ومثلها مريم 75، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

2 ــ وليس من موانع التكفير كون جنود المرتدين يُقِرَّون بالشهادتين أو يُصلّون، فهم لم يكفروا من جهة الامتناع عن الإقرار أو الصلاة، وإنما كفروا بسبب آخر وهو نصرة الحاكم الكافر وعلى هذا فلو نطق أحدهم بالشهادتين حال قتله أو قتاله فإن هذا لايمنع من قتله لأنه لا يُقَاتَل على الشهادتين بل لكفره بسبب آخر، وأعود فأنبّه على ماذكرته في شرح قاعدة التكفير من أن العبد لايؤمن إلا بمجموع خصال من شُعب الإيمان ولكنه يكفر بخصلة واحدة من شعب الكفر الأكبر. ومما يجلي عنك هذه الشبهة قوله تعالى (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لاتعتذورا قد كفرتم بعد إيمانكم) التوبة 65 ــ 66، فهؤلاء الذين أنزلت فيهم هذه الآيات كانوا في غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فهم إذن كانوا يجاهدون وكانوا يصلون ولهذا أثبت الله أن معهم إيمانا (قد كفرتم بعد إىمانكم) ، ولكنهم كفروا بكلمة قالوها وهو الاستهزاء الذي وقع منهم. وأيضا قوله تعالى (ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) التوبة 74، فأثبت الله أنهم كانوا مسلمين ولايكونون كذلك إلا بالإقرار وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرها من واجبات الدين، ومع ذلك فقد أكفرهم الله بكلمة ٍ قالوها (ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا) . وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لأسامة بن زيد (أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله) الحديث متفق عليه، فإن هذا في الكافر الأصلي يُكفّ عنه ويُتبين أمره بعدها هل التزم بما توجبه هذه الشهادة من العمل؟، وهو معنى قوله تعالى (إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) النساء 94، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) رواه مسلم والحديث له روايات أخرى معروفة واستوعبها ابن حجر في شرح كتاب استتابة المرتدين بالبخاري، ومعنى (إلا بحقها) أو (إلا بحق الإسلام) فمن حقها الكفر بالطاغوت وأداء الفرائض واجتناب النواهي، فمن قصّر في هذا يحكم عليه بالكفر أو بالفسق بحسب ماقصّر فيه. فليس المراد بالشهادة مجرد القول بل المراد تحقيق معناها خاصة ماتدل عليه من النفي والاثبات وهو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده، كما قال تعالى (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئِنا لتاركوا آلهتنا لشاعر ٍ مجنون) الصافات 35 ــ 36 فالكفار علموا أن المراد من شهادة (أن لا إله إلا الله) ليس مجرد القول بل المراد ترك عبادة غير الله (أئنا لتاركوا آلهتنا) أي ترك الكفر، فويل ٌُ لمن كان الكفار أفقه منه، وويل لمن كان أجهل من الكفار، فمن قال لا إله إلا الله وفَعَل المكفرات لم يأت بالمراد، ويُحكم عليه بالكفر ويحل دمه وماله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لايحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه، والتارك لدينه هو المرتد، وقد دل الحديث على أن المسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت