المقر بالشهادتين قد يرتد إذا أتى بسبب من أسباب الردة.
والخلاصة: أن من أتى بسبب الكفر ــ من قول ٍ أو فعل ٍ ــ كفر بذلك وإن كان مصليا مزكيا صائما مجاهدًا. وفي هذا قال ابن تيمية رحمه الله (وبالجملة فمن قال أو فعل ماهو كُفْر كَفَر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لايقصد الكفر أحدٌُ إلا ماشاء الله) (الصارم المسلول) صـ 177 ــ 178.
3ــ وليس من موانع التكفير كون جنود المرتدين مستضعفين لاحيلة لهم مع حكامهم، فالاستضعاف لا يسوِّغ لهم نصرة الكافر والخروج في صفه لقتال المسلمين، بل قد سبق القول بأن الإكراه الملجيء ولو تحققت شروطه لايرخص في قتل المسلمين أو قتالهم وهو مايفعله هؤلاء المجرمون.
أما الاستضعاف فإنه يرخّص في مثل ترك الانكار على الحكام المرتدين باليد واللسان مع الانكار بالقلب، أو يرخّص في مدارة الكفار وملاينتهم لاموالاتهم، وسيأتي بيان الفرق بين المداراة والموالاة في القسم التالي إن شاء الله. كما يرخص الاستضعاف في مثل ترك الهجرة من بين الكفار للعجز.
وليس كل مستضعف ٍ بين الكفار يكون معذورًا، بل لايُعذر ولايأثم إلا المستضعف المؤمن المميِّز للحق من الباطل الذي يدعو الله أن ينجيه من الكافرين وأن ينصر أولياءه المجاهدين. أما المستضعف المتابع للكافرين في إفسادهم فهذا مجرم من أهل النار، وقد ذكر الله النوعين من المستضعفين في كتابه العزيز:
فذكر المستضعفين المؤمنين وصِفتهم في قوله تعالى (والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالِم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا) النساء 75.
وذكر جل شأنه المستضعفين المجرمين وصفتهم في قوله (وإذا يتحاجّون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مُغْنون عَنَّا نصيبًا من النار، قال الذين استكبروا إنا كلٌُ فيها إن الله قد حَكَم بين العباد) غافر 47 ــ 48، وقوله تعالى (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يَرجعُ بعضهم إلى بعض ٍ القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل كنتم مجرمين، وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مَكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا، وأسّروا الندامة لما رأوا العذاب، وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، هل يجزون إلا ماكانوا يعملون) سبأ 31 ــ 33 فالاستضعاف لايرخص في متابعة الكافر المتكبر من حاكم وغيره ولا يرخص في طاعته في الكفر بصوره المختلفة والتي منها محاربة الإسلام والمسلمين، بل لو أطاعه في هذا لكَفَر مثله وصار من أهل النار مادام قد بلغه الهدى وسمع به.
وقد كان المسلمون مستضعفين بمكة قبل الهجرة كما وصفهم الله بقوله تعالى (واذكروا إذ أنتم قليل ٌُ مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس، فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) الأنفال 26، ومع ذلك لم يرخص الله تعالى لهم حينئذ في شيء من طاعة الكفار كما قال تعالى (فلا تطع المكذبين ودّوا لو تُدهن فيُدهنون) القلم 8 ــ 9، ولم يرخص لهم في شيء من الكفر (إلا من أكرِهَ وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل 106.