والشفاعة إذا كان الأمر كذلك فيقصد بها أمران: الأول: ما نص عليه المصنف، وهو إكرام الشافع .. إكرام الشافع، وإكرام الشافع يكون بماذا؟ يكون بإظهاره على .. على غيره؛ لأن الله تعالى إذا شفّع فلانًا في فلان حينئذٍ صار الشافع ماذا؟ أعلى درجة، صار ماذا؟ أعلى درجة، وفيه نفعٌ لماذا؟ للمشفوع له، إكرام الشافع، وفيه أيضًا أمرٌ آخر: وهو نفع المشفوع له، [وَالشَّافِعُ مُكَرَّمٌ بِالشَّفَاعَةِ] الله تعالى يكرم من يشاء من عباده بأن يجعله شفيعًا، ثم قال ـ رحمه الله ـ: [وَالْمَشْفُوعُ لَهُ مَنْ رَضِيَ اللهُ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ بَعْدَ الإِذْنِ] إذن ذكر شرطين، لا تكون الشفاعة شرعية مثبتة إلا بوجود شرطين: الأول أن يكون الذي يُشفع له مرضيًا عند الله في قوله وعمله، ولا يكون مرضيًا إلا إذا كان من أهل لا إله إلا الله؛ ولذلك جاء في حديث أبي هريرة:"من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه"إذن من لم يقل لا إله إلا الله ليس من أهل الشفاعة، (من) ـ وهم الكفار الخلّص ـ ومن قال: لا إله إلا الله وليست خالصةً من قلبه ليس من أهل الشفاعة، وهم المنافقون، من قال: لا إله إلا الله خالصًا ـ هذا فيه ردّ على طائفتين، من لم يقل .. من لم يقل .. من لم يقل لا إله إلا الله، وهم: الكفار، أو قال: لا إله إلا الله لكنه ليس خالصًا من قلبه، وصدقًا من قلبه، وهم: المنافقون ـ حينئذٍ الكفار والمنافقون ليسوا من أهل الشفاعة، فاقتصرت الشفاعة على أهل التوحيد، من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، وهؤلاء ولو كانوا عصاةً .. ولو كانوا عصاةً؛ لأنهم في الجملة هم ممن رضي الله قولهم وعملهم؛ لأنهم أتوا بأعظم حسنةٍ، وهي: التوحيد، واجتنبوا أعظم سيئةٍ، وهي: الشرك بالله، حينئذٍ صاروا من أهل لا إله إلا الله الخلص، ولو كانوا عصاةً، وهم أهلٌ لِـ الشفاعة. [بَعْدَ الإِذْنِ] بعد أن يأذن الله تعالى، والإذن: المراد به هنا الإذن الكوني، الإذن الكوني: بمعنى أن هذه الشفاعة لا تقع في الكون إلا بعد أن يأذن الله، كما نقول: الأمر نوعان: أمرُ كوني، وأمرٌ شرعي، الشرعي: ما وافق الشرع، والكوني: ما أذن الله به ـ تعالى ـ، وهو مرادف لما ذكرناه، والإذن كذلك قد يكون إذنًا شرعيًا، وهذا فيما إذا كان الأمر واجبًا، أو مستحبًا ونحو ذلك، وقد يكون كونيًا: وهذا ما يوافق المشيئة العامة، بأن لا يقع في الكون إلا ما أراده الله تعالى، إذن من [بَعْدَ الإِذْنِ] المراد به الإذن الكوني؛ لأن الله تعالى رضي عن هذا الشافع، ورضي عن المشفوع، كلٌ منهما مرضيٌ، وقد أذن الله له شرعًا، ما الذي بقي؟ بقي الإذن الكوني. [كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ] ذكر شرطًا واحدًا، {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} من: هذا اسم استفهام، بمعنى النفي .. بمعنى النفي، أي: لا يشفع أحدٌ عند الله إلا بإذنه، {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} لما جاءت (إلا) في الجواب دلّ على أن من هذه ضُمنت معنى النفي، وأشربت معنى التحدي، ما الذي دلنا على هذا؟ إلا. إلا.