الصفحة 130 من 166

إلا واحدًا، وهو الإذن، فإما أن يقال: الإذن تابع والرضا سابق، فإذا ذكر الثاني استلزم الأول، الإذن تابع؛ لأن الله تعالى أولًا يرضى عن الشافع والمشفوع، ثم يأذن، فإذا ذكر الثاني استلزم، ماذا؟ الأول. فذكر أحد الشرطين بالمنطوق وذكر الثاني بالاستلزام، وإما أن يقال بأنه ذكر شرطًا في هذه الآية، وعدم ذكر الشرط الثاني لا يدل على أنه ليس مرادًا، وهذا يقرر القاعدة التي دائمًا نسلكها في ماذا؟ في بناء الأحكام الشرعية. أنه إذا جاء نص في حديثٍ واحدٍ ولم يُذكر له حكمٌ آخر إلا في دليل منفصل، فلا نقول: كونه لم يُذكر في حديث أبي هريرة فدلّ على أنه ليس بمشروع، قل: لا. نجمع الأحاديث سوا بجوار بعض ونأخذ منها صورة كاملة مركبة، فليس عندنا حديث لأبي هريرة في الصلاة يناقض حديث جابر، وحديث جابر يناقض حديث مالك، وكلٌ منهما يعارض بعضه ببعض، نقول: لا. كلها نجعلها في مصاف واحد، ونأخذ الصلاة كلها مركبة، هذه مثلها، جاء في آية أخرى إثبات الرضا {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء28] ، فدلّ على اشتراط الرضا، وهنا دلّ على ماذا؟ على الإذن، إذن نجعل هذه الآية من مصافّ هذه الآية ونجعلهما شرطين ولا تعارض، فالقرآن كله يصدق بعضه بعضًا، إذن ذكر شرطًا بالمنطوق، والثاني بالاستلزام، أو نقول: ذكر شرطًا في هذا النص، وجاء نصٌ آخر بذكر الشرط الثاني. قال ابن كثير ـ في هذه الآية ـ: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ـ عز وجلّ ـ أنه لا يتجاسر .. أنه لا يتجاسر أحدٌ على أن يشفع لأحدٍ عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، وذلك لكمال سلطانه، فإنه كلما كمل سلطان الملك فإنه لا أحد يتكلم عنده إلا بعد إذنه .. لا يتكلم أحد عنده إلا بعد إذنه، وجاء الجمع ـ جمع الشرطين ـ في قوله تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم26] ، يرضى عن من؟ عن الشافع والمشفوع، كم: خبرية للتكثير، أي: وما أكثر الملائكة الذين في السماء، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم شيئًا، الملائكة المقربون عند الله تعالى، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا بعد إذن الله ورضاه. فللشفاعة شرطان: الإذن من الله تعالى بقوله: {أَن يَأْذَنَ اللَّهُ} ، ولقوله: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ23] . الثاني: رضاه عن المشفوع له لقوله: {وَيَرْضَى} في الآية التي ذكرناها، كما قال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء28] إلا فيما جاء النص فيه، وهو في التخفيف عن عمّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا ليس في الشفاعة التي تستوجب الخروج من النار، وإنما هي في التخفيف عن كافرٍ بعينه، وهذا إكرامًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعلومٌ أنه تعالى لا يرضى هذه المعبودات من دونه؛ لأنها باطلة، وحينئذٍ تكون شفاعتها منتفية .. تكون شفاعتها منتفية، الأصنام التي جعلها الكفار المشركون وسائط بينهم وبين الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت