الصفحة 142 من 166

وقوله: {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء36] يؤكد المعنى السابق {وَاعْبُدُواْ اللهَ} أمر بالعبادة ولما كانت العبادة لا تصح إلا باجتناب الشرك قارنه بماذا؟ بالنهي عن الشرك حينئذٍ دلالة الاقتران هنا مقصودة ومرادة وحُجة، ولا نقول إنها ضعيفة في مثل هذا المقام {وَاعْبُدُواْ اللهَ} وحدوا الله وتذللوا له بالطاعة وامتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، فكل الدين وكل أنواع العبادة دخل في قوله: {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} لا شركًا قليل ولا كثير؛ لأن قوله: {تُشْرِكُواْ} فعل مضارع في سياق النهي، وإذا كان كذلك فحينئذٍ هو منسبك من مصدر وزمن، والمصدر نكرة، والنكرة في سياق النهي تعم، إذن {َلاَ تُشْرِكُواْ} قليلًا أو كثيرًا، وإن قل وإن كان دقيقًا فهو منهي عنه، ويستوى فيه الحكم من حيث وجوب القتل ومن حيث قبل ذلك تنزيل الوصف عليه إذا وُجد قليل الشرك، فلا فرق بينهما، فالوصف حينئذٍ نقول: ينزل على الفاعل، كل من تلبس بشرك فلابد أن يشتق له من ذلك الحدث وصفًا، وإذا كان كذلك حينئذٍ وجب تنزيل الحكم عليه ومن يقول بأنه يعذر بالجهل حينئذٍ يفرق بين الحكم والوصف؛ لأن من وقع في حدث ـ حدث أيّا كان باللغة وقبل ذلك العقل وأجمع العقلاء على ذلك إلا المعتزلة ومن على شاكلتهم ـ أن كل من تلبس بحدث وجب عقلًا ولغةً أن يُشتق له من ذلك الحدث اسمٌ، فإذا نام نقول نائم، لا يمكن أنه يوجد النوم ولا نُطلق عليه الوصف بأنه نائم ولا يمكن أن يوجد القيام، ثم نقول ليس بقائم، لا هو قائم، قلناه أم لم نقله لماذا؟ لأن هذا بدلالة العقل وبدلالة النقل اللغوي تعيَّن وجوبًا أن يُشتق لكل من تلبس بحدث اسمٌ من ذلك الحدث، فمن تلبس بالنوم قيل نائم، ومن تلبس بالقيام قيل قائم، ومن تلبس بالضرب قيل ضارب، وإذا لم يلتبس بالضرب لا يصح أن يقال بأنه ضارب، وإذا لم يتلبس بالنوم لا يصح أن يُشتق له وصف فيقال له نائم والعكس بالعكس، إذن متى ما قيل مشرك حينئذٍ نقول قد تلبس بالشرك ومتى ما تلبس بالشرك لزمنا لغة أن نقول بأنه مشرك شركًا أكبر وقع في التنديد، ثم هل يثبت له الحكم وهو الخروج من الملة ووجوب القتل أم لا؟ هنا نقف مع مسألة العذر بالجهل هل يُعذر أم لا؟ إن كان في بلد لا يُعرف فيه حكم الله ولم يُبيّن فيه التوحيد هذا محل نزاع وأما إذا ظهرت السُنة وعُلم التوحيد ووجد أهل العلم فهذا محل وفاق بين أهل العلم أنه يُنزل عليه الحكم فيُطلق عليه الوصف ويستلزم الحكم وأما إذا لم يكن كذلك كمن نشأ في بادية أو لم يبلغه شيء من العلم ووقع في الشرك ذبح لغير الله، استغاث بغير الله فحينئذٍ وقع منه الشرك، نسميه مشركًا شئنا أم أبينا؛ لأن المسألة لغوية قبل أن تكون شرعية فإذا كان كذلك حينئذٍ نقول هل يتنزل عليه الحكم بالخروج من الملة ووجوب القتل أم لا، من عذره بالجهل قال: لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت