قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: وأصل هذا المذهب ـ الذي هو عبادة الشمس والقمر ـ أصلُ هذا المذهب من مشركي الصابئة وهم قوم إبراهيم - عليه السلام - الذين ناظرهم في بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده ـ الله أكبر، تعبير جميل ـ كسر حجتهم بعلمه، الحجج إنما تنكسر ليست بالأيدي ولا بالسب ولا بالشتائم، وإنما تنكسر بماذا؟ بالعلم {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة111] فأي باطل أو أي خلاف إما أ، تُدلي بعلم ,وإلا إلزم الصمت، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده فطلبوا تحريقه وهو مذهب قديم في العالم وأهله، طوائف شتى، فمنهم عُبّاد الشمس زعموا أنها ملك من الملائكة لها نفس وعقل وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها وهي عندهم مَلِكُ الفلك .. مَلِكُ الفلك فيستحق التعظيم والسجود والدعاء، إذن لهم نوع شبهة في حلول الأرواح لهذه الكواكب. [وَدَلِيلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] ]. {وَمِنْ آيَاتِهِ} أي: من علاماته على وحدانيته ـ جل وعلا ـ ومن حجج الله تعالى على خلقه ودلالته على وحدانيته: {اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ} أي اختلاف الليل والنهار، ومعاقبة كل منها صاحبه، كلٌ منها يعقب صاحبه لا يجتمعان ولا يرتفعان .. لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس بينهما فاصل ـ وسيأتي في المواقيت هناك أوقات الصلاة أن بعضهم يرى أن ثَمّ فاصلًا بين العصر والظهر، والصواب لا ـ {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} {لَا الشَّمْسُ} {تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس40] إذن الليل والنهار واختلافهما، والشمس والقمر وما فيهما من منافع ومصالح هذه آيات على وحدانية الله ـ جل وعلا ـ وحُجة على الخلق ـ آية كونية على أن خالق هذه الأمور هو المستحق للعبادة ـ؛ لذلك عقبه بقوله {لاَ تَسْجُدُوا} {لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} {لاَ تَسْجُدُوا} عام، (الواو) هذه تفيد العموم؛ لأنها ضمير، وهذه تعتبر من العمومات {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} {آتُواْ} [البقرة43] هذا عام يشمل كل من هو داخل تحت التكليف في إقامة الصلاة وفي إيتاء الزكاة، {لاَ تَسْجُدُوا} هذا نهي، والنهي يقتضي التحريم {لاَ تَسْجُدُوا} أيها الناس {لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} {خَلَقَهُنَّ} أتى هنا بماذا؟ بالتأنيث ولم يقل خلقها {خَلَقَهُنَّ} بالتأنيث؛ لأنه أجراها على طريق جمع التكسير، وإذا كان كذلك جاز تأنيثه، ولم يجرها على طريق التغليب للمذكر على المؤنث؛ لأن القمر مذكر، أليس كذلك؟ والليل مذكر والشمس مؤنث، لم يُغلّب هذا على ذاك، وقال: خلقها، وإنما أتى بالتأنيث، لماذا؟ مرعاة لجمع التكسير كأنه قال: هذه الليل والنهار والشمس والقمر فعاد عليها الضمير باعتبار أنها جمع وأقل الجمع هو .. هو ثلاثة.