الصفحة 148 من 166

قال بن جرير في الآية {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا} أيها الناس {لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} فإنهما وإن جريا في الفلك بمنافعكم فإنما يجريان بها لكم بإجراء الله إياها لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما، إذن ما في الشمس والقمر من منافع وما في الليل والنهار اختلافهما من منافع إنما هو بإجراء الله لها سبحانه لا بأنهما يقدران بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياها وتسييرهما، فدل على أنها هي مسيرة هي مخلوقة، وإذا كان كذلك حينئذٍ المخلوق يفتقر إلى خالق وإذا كان كذلك فهو ضعيف فقير، أليس كذلك؟ فدل على أن الذي ينبغي أن تصرف له العبادة هو خالق الشمس والقمر، أو يستطيعان لكم نفعًا أو ضرًا وإنما الله المسخرهم لكم لمنافعكم ومصالحكم فله فاسجدوا وإياه فاعبدوا دونهما، فإنه إن شاء طمس ضوئهما فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلا ولا تبصرون شيئًا ـ يعني ذهب بمنافع الشمس والقمر والليل والنهار، فدلت الآية على أن ثَمّ من توجه بالعبادة للشمس والقمر وهذا مراد المصنف من ذكر هذه الآية. [وَدَلِيلُ الْمَلائِكَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا ... } الآية [آل عمران: 80] ] {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} يَأْمُرَكُمْ .. يَأْمُرُكُمْ فيها قراءتان ويختلف عليها المعنى {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} من الله ـ عز وجل ـ أم نبيه؟ من الآمر هنا؟ أو الذي نُفي عنه الأمر؟ {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} أي النبي - صلى الله عليه وسلم -، {وَلاَ يَأْمُرُكُمْ} أي: الله ـ عز وجل ـ أليس كذلك؟ قرأ بن عامر وعاصم وحمزة بالنصب عطفًا على {أَن يُؤْتِيَهُ} {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ} [آل عمران79] ثم قال: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} من؟ البشر الذي هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وعيسى وعزير وكل نبي، {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} هو، حينئذٍ صار الضمير إذا صارت معطوفة على قوله: {يُؤْتِيَهُ} صار الضمير للبشر؛ لأن اليهود قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أتريد أن نتخذك يا محمد ربًا؟ أتريد أن نتخذك يا محمد ربًا؟ فقال الله: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [آل عمران79] إلى قوله: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} وفيه ضمير البشر، أي: ولا يأمركم البشر يعني عيسى وعزير والنبي - صلى الله عليه وسلم -. وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف والقطع من الكلام الأول وفيه ضمير اسم الله ـ عز وجل ـ إذا قيل: {وَلاَ يَأْمُرُكُمْ} صار كلامًا جديدًا، مَن ولا يأمرُكم؟ الله ـ عز وجل ـ فاختلف، وكل منهما له حكمه باعتبار القراءة، وإذا اختلف المعنى في القراءتين نُزّل كل نص منهما منزلة نص مستقل هذا معنى وهذا معنى، وعلى كل فالله ـ عز وجل ـ ورسله لا يأمرون أحدًا بصرف العبادة لغير الله ـ النتيجة تكون هكذا ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت