[أَنَّ مُشْرِكِي زَمَانِنَا أَغْلَظُ شِرْكًا مِنَ الأَوَّلِينَ] إذن عندنا متقدمون وعندنا متأخرون في الشرك، المتأخرون أغلظ شركًا وأقبح من المتقدمين، لماذا؟ علله المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ: [لأَنَّ الأَوَّلِينَ يُشْرِكُونَ فِي الرَّخَاءِ، وَيُخْلِصُونَ فِي الشِّدَّةِ] إذن قد يقع عندهم نوع توحيد؛ لأن المرء المشرك قد يمر به رخاء وسعة وحال ضيق وشدة، الأوائل كانوا إذا وقع بهم الضيق لجؤوا إلى الله ـ عز وجل ـ وحَّدوا أخلصوا العبادة لله، وإذا انتهت أمورهم رجعوا إلى شركهم وكفرهم، والمتأخرون يشركون في الرخاء والشدة؛ إذن لا يعرفون التوحيد والإخلاص مطلقًا، أيهما أعظم؟ لاشك أن المتأخرين أعظم من هذه الحيثية، ليس المراد هنا الموازنة من كل وجه؛ لأن المشركين الأُول كانوا يُنكرون البعث وكذبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وردُّوا عليه شريعته ولم يقبلوها وكفّروا أصحابه وقاتلوهم ولم يمتثلوا لا صلاة ولا صومًا ولا حجًا ولا عمرةً على الوجه المطلوب، والمتأخرون أقروا بالبعث وآمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ونطقوا بالشهادتين، وأولئك لم ينطقوا بالشهادتين، وصاموا وصلوا وحجوا وإنما وقع عندهم صرف عبادة لغير الله تعالى ـ لا ندافع عن المتأخرين، لكن نقول: أن الموازنة ليست مطلقة من كل وجه؛ لأننا إذا أثبتنا أن الكفر يزيد وينقص كما أن الإيمان يزيد وينقص، يترتب عليه الحكم بزيادة العذاب وهذا حكم شرعي، وإذا كان حكمًا شرعيًا لابد من دليل شرعي، وإذا نظرنا في أحوال المشركين المتأخرين، المشركين ما المراد؟ بعض العلماء ـ علماء السوء، علماء الشرك ـ الذين يُجوِّزون الاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فحينئذ أولئك القوم الذين يستغيثون بالنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو يذبحون لغير الله إذا نظرنا في حالهم هم يقولون لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله إذن أتوا بالشهادتين وأولئك المتقدمون لم يأتوا بالشهادتين، هؤلاء أقرُّوا بالبعث وآمنوا بالجزاء وآمنوا بالجنة والنار وأولئك القوم كذبوا وكفروا، هؤلاء يحبون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما زعموا ويجلونه ويعظمونه حتى صرفوا له نوعًا من العبادة، بل جُعل معبودًا ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأولئك القوم كذبوه وعاندوه وضربوه وعادوه وأدموه وقاتلوه، إذن ليست الموازنة من كل وجه، وإنما الموازنة في الدعاء فحسب في هذه الصورة التي ذكرها المصنف، وفي هذه الآية بخصوصها هذا العمل وهو دعاءُ الله في الرخاء والشدة عند المتقدمين فيه فرق، يدعون الله ويخلصون الدين في حال الشدة، وفي حال الرخاء أشركوا بالله وأما المتأخرون لا، في حال الشدة وفي حال الرخاء يا حسين ويا حسن ويا عبد القادر ويا الجيلاني ونحوهم فيدعون غير الله في كلا الحالتين ولاشك أنهم في هذه الجزئية يُعتبرون أعظم شركًا وأقبح من أولئك، لا من كل وجه ...