لكن نقول في هذه القاعدة: القواعد الثلاث السابقة قلنا قطعية يقينية، ولا إشكال فيها، وهذه القاعدة لا نقول قطعية يقينية، القواعد الثلاث الأُول كلها قطعية يقينية لا يُجادل فيها أحد ـ انتبهوا!!، يطلع لكم صوفي شيء بعدين ـ أما الرابعة هذه فهي من حيث المقدمة قطعية، ومن حيث النتيجة ظنية ـ والله أعلم ـ من حيث المقدمة أن مشركي زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يشركون في الرخاء دون الشدة هذا مقطوعٌ به تواترت فيه الآيات كُثُر عشرات الآيات تدل على أنهم إذا ركبوا في الفلك {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} في يونس وفي هود وفي غيرها نصوص تدل على هذا فهي قطعية ثابتة؛ لأن خبر الله عز وجل وهو نص فلا يحتمل النقيض؛ وأما من حيث النتيجة وهو النظر في مشركي زمان المصنف هذه ظنية؛ لأنه قد يخالف في بعض ما ذكرناه. [وَالدَّلِيلُ] على ما ذُكر قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا رَكِبُوا} يعني المشركين {فَإِذَا رَكِبُوا} أي: المشركون {فِي الْفُلْكِ} في السفن وخافوا الغرق، إذا جاءتهم الأمواج وتلاطمت عليهم وأحسُّوا بالموت {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أخلصوا {دَعَوُا اللَّهَ} صرفوا العبادة ـ عبادة الدعاء ـ سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة فيشمل النوعين، يعني يتعبدون لله بالذكر باللسان وكذلك يتجرد القلب من غير الله تعالى {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ} حال من فاعل {دَعَوُا} حال كونهم {مُخْلِصِينَ لَهُ} أي: لله تعالى، صادقين في نياتهم وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها فأخلصوا {لَهُ الدِّينَ} ظاهرًا وباطنًا، اخلصوا {لَهُ الدِّينَ} ظاهرًا وباطنًا، ولكن ليس مقبولًا منهم {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} هذا نص واضح {فَلَمَّا} لما هنا بمعنى حين ظرفية {فَلَمَّا} أي: حين {نَجَّاهُمْ} نجَّ المشركين لما كادوا أن يغرقوا في لجج البحار، نجاهم إلى البر وحصلت لهم السلامة وشموا رائحة الحياة ماذا صنعوا؟ {إِذَا} هذه فجائية، كان المتوقع ما هو؟ ما هو المتوقع؟ إذا أخلصوا الدين لله ورأو الرياح وتلاطم الأمواج وكادت أرواحهم أن تزهق لجؤوا إلى الله ـ عز وجل ـ عرفوا أن آلهتهم لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًا، مقتضى العقل أنهم يستمروا على هذا في البر فـ {إِذَا} كان الأمر المتوقع غير موجود {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} هم جاء بالجملة الاسمية للدلالة على الاستمرار على ما كانوا عليه وأن رُجوعهم إلى الشرك؛ لأنه متأصل تأصلت جذورهم فيه أو جذوره في قلوبهم {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} معه غيره و {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [الحج71] فدلت هذه القاعدة وهي قاعدة قطعية من حيث المقدمة ظنية من حيث النتيجة أن مشركي زمان المصنف (ومن) وما بعده أغلظ وأشد شركًا ممن .. ممن سبق، لكن يبقى الحكم في ماذا؟ في هذه الخصيصة التي ذكرها المصنف وهي المقارنة الجزئية الموازنة الجزئية وليست المقارنة الكلية من كل وجه بأن المشركين المتأخرين أشد وأغلظ شركًا من المشركين المتقدمين
تمت وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم