ما هي هذه الملة؟ قال: [أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ] [أَنْ تَعْبُدَ اللهَ] أي عبادة الله، أخذنا العبادة هذه من أين؟ من تأويل (أن) وما دخلت عليه صارت في تأويل مصدر، هذا المصدر اسم في أصله، عبادة مصدر، عبادة مصدر، فحينئذ يقال ما المراد بالعبادة؟ لأنها لها مفهوم لُغوي ولها مفهوم شرعي، وهل كلما وُجد المعنى اللغوي وُجد المعنى الشرعي؟ هل كلما وُجد المعنى اللغوي وُجد المعنى الشرعي؟ الجواب: لا؛ لأننا قلنا ماذا؟ أن المعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي فحينئذ ينبني على هذا أنه إذا وجد المعنى اللغوي لا يستلزم أن يكون المعنى الشرعي موجودًا، بل قد يكون منتفيًا، لكن وُجد المعنى الشرعي فلابد وأنه قد تضمن المعنى اللغوي فيه، [أَنْ تَعْبُدَ اللهَ] نقول هذا بيان لملة إبراهيم، أي عبادة بالإخلاص، وترك عبادة ما سواه، فجمعت أمرين عبادة مع الإخلاص، فحينئذ القسمة ثلاثية، قسمة ثلاثية؛ لأنه ضمن ملة إبراهيم أمرين عبادة مع إخلاص، إما أن يجتمعا، وإما أن يوجد أحدهما دون الآخر، وإما أن ينتفيا هذه كم؟ إما أن يجتمعا، فالموحد هو العابد بإخلاص، وهو المتبع لملة إبراهيم، وإما أن توجد العبادة لا مع الإخلاص، أو يوجد الإخلاص لا مع العبادة، أو أن تنتفي العبادة وينتفي الإخلاص، هذه قسمة عقلية لكن لا وجود لها، لكن لا وجود لها؛ لأنه يقال بأنه لم يعبد الله مخلصًا ثم لا يكون عابدًا لغيره؛ لأن الخضوع والمحبة هذه كما ذكرناه في الدرس السابق وفي غيره أنها متلازمة، إذا انتفى أحدهما وجد الآخر فإذا لم يعبد الله مخلصًا له الدين حينئذ نقول هذا لم يعبد الله أو أنه عبد ولكنه لم يأت بالإخلاص؛ لأنه سيأتي أن العبادة لا تسمى عبادة مع انتفاء الإخلاص، وإنما تسمى عبادة باعتبار ظنه هو، هو يظن أنه يصلي أو أنه يطوف، وأن هذه الصلاة عبادة وأن هذا الطواف عبادة، نقول: في ظنك أنت أنه عبادة، ولكن في الحكم الشرعي ليست بعبادة؛ لأن العبادة لا تسمى عبادة إلا إذا كان معها الإخلاص والمتابعة، فإن انتفيا أو انتفى أحدهما حينئذ بطل كونه عبادة، إذن جمعت أمرين: عبادة مع إخلاص.
والعبادة لغة: الذل والخضوع، يقال طريق معبد إذا وطأته الأقدام فهو مذلل ومهيأ للناس، قال الجوهري ـ رحمه الله ـ: أصل العبودية الذل والخضوع. يعني حيث ما تصرفت هذه الكلمة، عبادة وتعبد، وعبودية، ومعبودية، وعبد، ونحو ذلك، أينما تصرفت حينئذ لابد من المعنى الذي يدور عليه هذا اللفظ وهو الذل ووالخضوع. فهذه المشتقات كلها تدور على معنى واحد وهو أصل الذل والخضوع.