ومعلوم أن الركن هو جزء الماهية، إذا انتفى انتفت الماهية، توقف الماهية على الركن وجودًا وعدمًا، فإذا وُجد الركن مع شرطه الآخر ـ وجود الركن الآخر ـ وجدت الماهية، وإذا وجد أحد الركنين دون الآخر حينئذ انتفت الماهية، إذن العبادة بالمعنى المصدري هي ما جمعت أمرين اثنين، وإن شئت قل ركنين فلابد من اجتماعهما، ابن كثير ـ رحمه الله ـ عرّف العبادة بهذا المعنى ـ المعنى المصدري ـ فقال ـ رحمه الله ـ في تفسيره: هي عبارة عما يجمع، كمال المحبة والخضوع والخوف، لابد من اجتماع هذه الأمور الثلاثة، لأن مفهوم العبادة كمفهوم التوحيد، التوحيد عند المعتزلة لهم مفهوم، وعند الأشاعرة لهم مفهوم، والصوفية لهم، اختلفوا في خلاف عند المتأخرين، كل صاحب هوى عرّف التوحيد على مزاجه وهواه ونزّل الأحكام الشرعية على هذا المعنى، كذلك العبادة، الصوفية عندهم العبادة هي المحبة، غاية المحبة فقط، غاية المحبة، وعند المرجئة العبادة هي الرجاء، وعند الخوارج العبادة هي الخوف، ولذلك أُثر عن بعض السلف: من عبد الله بالخوف، من عبد الله بالحب فقط فهو زنديق، ومن عبد الله بالرجاء فقط فهو مرجئ، ومن عبد الله بالخوف فقط فهو حروري، ومن عبد الله بالمحبة والرجاء والخوف فهو مؤمن موحد. لأن الذي يحب فقط هذا ضيع الدين، ليس عنده ما يرهبه وليس عنده ما يطلبه، والخوارج بفهمهم للعبودية للعبادة بأنها الخوف ماذا صنعوا؟ أخرجوا مرتكب الكبيرة من دائرة الإسلام، والمرجئة كل من قال لا إله إلا الله فهو فهو موحد، إذن لابد من اجتماع هذه الأمور الثلاثة معًا المحبة والخوف ووالرجاء، بالمحبة يكون الطلب، وبالخوف يكون ماذا؟ الهرب. قال ابن كثير هنا عما يجمع العبادة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، كمال لابد من الكمال؛ لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب والانقياد له، فليس مجرد المحبة هي العبادة، بل لابد أن تكون مستلزمة لماذا؟ للطاعة، كما ذكرنا في معرفة الله تعالى، المعرفة، إبليس يعرف الله، وفرعون يعرف الله، وكل طاغوت يعرف الله، لكن ما الفرق بين معرفة الموحد والمؤمن، وبين معرفة إبليس؟ هل نقول إبليس إذا عرف ربه صار مسلمًا؟ لا. بل هو كافر، وهذا لا خلاف فيه، فحينئذ نقول المعرفة المستلزمة للطاعة التي تدل على ماذا؟ تدل على الانقياد والاستكانة والخضوع لله تعالى، فمتى ما وجد الانقياد ووجدت الطاعة دل على صحة المعرفة، صحة المعرفة المحبة، فإذا انتفت حينئذ نقول انتفت المعرفة وانتفت المحبة لماذا؟ لأن الشرع لم يعلق العبادة على مجرد وجود الخوف في القلب فحسب، ولذلك المرجئة الذين أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان، الأعمال الظاهرة هؤلاء يتناقضون؛ لأنهم يقول قد يوجد توجد المحبة في القلب على وجه التمام ثم لا يصلي، قد يوجد الخوف من الله والفزع والهرب ويمتلئ القلب خوفًا من الله ثم يشرب الخمر، هذا يجتمع؟ هذا العقل ما يقبل هذا.