إذا نظرنا إلى العقل نقول العقل ما يقبل هذا، لماذا؟ لأن عدم خضوع الجوارح دليل على انتفاء هذه الأعمال القلبية، ولذلك قوله تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ} هاه {فَاتَّبِعُونِي} الاتباع هذا يكون ظاهرًا وباطنًا، فيدخل فيه الأمران، فجعل الاتباع علامة على صدق وصحة المحبة، إذا هنا قال: {إِن كُنتُمْ} شرط أو لا؟ شرط، وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فإذا لم توجد المتابعة هل يصح أن يقول بأنه يحب الله؟ نقول: لا. هذا ليس بصحيح إذا وُجدت المحبة في القلب وامتلأ القلب محبة لله لا يمكن، أن يكون واقعًا في ترك واجب أو فعل محظور، وهنا إن وُجدت المتابعة على وجه التمام دلت على صحة المحبة على وجه التمام، والنقص بالنقص، والكمال بـ بالكمال. نقص المتابعة قد يستلزم نقص، أو يستلزم نقص المحبة، ثم قد يكون مؤثرًا معدمًا لها من أصلها، وقد يكون لكمالها الواجب، وقد يكون لكمالها المستحب، إذن قوله ـ ابن كثير رحمه الله ـ هنا يتضمن دليل على أن المراد بالحب التام والذل التام ليس دعوى بأن القلب قد أحب الله على وجه التمام وبأن القلب قد أذل أو ذل لله على وجه التمام، نقول: لا. لابد من انقياد، ولابد من طاعة، دل عليها قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي} إن وجدت المتابعة ووُجد الانقياد دل على صحة المحبة وإلا فلا. فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له، ولذلك يمتنع عقلًا أن توجد أعمال القلوب على وجه التمام ثم ينتفي عمل الجوارح، هذا ممتنع، وإنما هذا أدخله الأشاعرة، والأشاعرة مرجئة، وهم أتباع جهم بن صفوان في جزئيات أوجدوه عقلا؛ لأنهم يحكمون العقل ويقدمونه على ماذا؟ على الشرع، وهذا محل وفاق عندهم، العقل هو مصدر العقيدة وهو مصدر التأصيل الديني، وأما الفروع فهذه مردها إلى القرآن ووالسُنة؛ لأنها ظنية، لما وجدوا والله تعالى في أول سورة البقرة قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين، وكفار، ومنافقين. المؤمنون ظاهرًا وباطنًا، صحيح؟ الكفار كفروا وجحدوا وأنكروا ظاهرًا وباطنًا. والمنافقون، هاه ظاهرًا لا باطنًا، يعني هم آمنوا في الظاهر وأبطنوا الكفر، إذن عندنا من آمن في الظاهر والباطن يقابله الكفار الذين كفروا ظاهرًا وباطنًا ووُجد ما يكون أو يصح أن يقال بأنه بين منزلتين وهو من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، عكسه أظهر الكفر وأبطن الإيمان، أليس كذلك؟ هذه القسمة الرابعة هل هي موجودة في سورة البقرة؟ لا. هل العقل يدل عليها؟ نعم، العقل يدل عليها، أن يكون قد آمن باطنًا ولم يؤمن ظاهرًا، وهذا الذي أوقعهم في كون مسمى، في كون أعمال الجوارح والأركان ليست داخلة في مسمى الإيمان، إيجادًا لهذا القسم الرابع الذي استدركوا به على الله جل وعلا، هذا استدراك؛ لأن الرب سبحانه إذا قسم الخلق إلى ثلاثة أقسام إيجاد قسم رابع لا وجود له في الشرع هذا استدراك، أليس كذلك؟ ولذلك الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: كل من أحدث بدعة، فقد ادعى أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد خان الرسالة.