الصفحة 51 من 166

وهذا صحيح؛ لأنه معناه أن هذه عبادة ولم يذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينقلها الصحابة، إذن بقي أشياء لم يبلغها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهنا وجود هذا القسم الرابع يدل على ماذا؟ على أنهم استدركوا على الله تعالى، فالمدخل حينئذ في أصل وجود فكرة الإرجاء هو العقل، إيجاد هذا القسم الرابع من آمن باطنًا ولم يؤمن ظاهرًا، فترك الصلاة والزكاة والصيام والحج، مؤمن، لماذا؟ لأنه موحد بقلبه وإن انتفت عنه أعمال الجوارح، سجد للصنم، قال: لابد من سؤاله لماذا سجدت؟ فإن قال سجدت لله مريدًا الصنم، الأصل أنه مؤمن بإيمانه وهذا عمل لا يلتفت عليه؛ لأنه خارج عن مسمى الإيمان، إلى آخر ما ابتدعوه في الدين. إذن الأصل هو الذل والخضوع المستلزم لـ الطاعة، هذا المعنى المصدري. ويُراد بالعبادة المعنى الاسمي بمعنى أنه صار علمًا، إذا أُطلق انصرف إلى مسماه، وهو ما عرف به شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ بقوله اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وهذا يستلزم ماذا؟ يستلزم المعنى المصدري؛ لأنه إذا قيل اسم جامع يعني لفظ العبادة اسم جامع يجمع ماذا؟ يجمع كل عمل قلبي ظاهر باطن، أو عمل ظاهر مما يحبه الله ويرضاه سواء كان هذا مما يظهره للناس أو يخفيه عن الناس، هل يوجد هذا دون ذل وخضوع؟ لا، لابد إذا قيل اسم جامع دخل فيه الصلاة، هل توجد الصلاة دون ذل وخضوع ومحبة وخوف؟ لا. إذن لابد من المعنى المصدري المصحح للمعنى الاسمي، فهذا المعنى الاسمي مستلزم لـ للمعنى المصدري، ويراد بالعبادة المعنى الاسمي، وهو تعريف شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ فالعبادة اسم ولها مسمى، كزيد اسم وله مسماه، وهو الشخص أو الذات المشخصة، وهو المتعبد به، فصارت علم، المتعبد به كالروع والسجود الصلاة نفسها أنت عندما تقوم تصلي تتذلل لله تعالى بفعل الصلاة، فالصلاة متعبد بها وأنت متعبد، أنت فعلت عبادة وهو التذلل لله تعالى والخضوع لهذه الأفعال الأقوال والأفعال، وكذلك الأقوال والأفعال، نفسها تسمى عبادة، فالتعبد فعل الفاعل، فعل الفاعل، والعبادة بالمعنى الاسمي هي المفعول؛ لأنه يقال عبدَ الله عبدَ الله بماذا؟ بالصلاة، الصلاة عبادة، وفعلك أنت يكون أيضًا عبادة، قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: العبادة طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة رسله، وهذا موافق لما ذكره شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ، وقيل هي اتباع أمره واجتناب نهيه، يعني مدارها على الأمر ووالنهي، ولذلك ابن القيم قال ذلك

ومداره بالأمر أمر رسوله ... * * * ... لا بالهوى والنفس والشيطان

يعني مدار صحة هذه الأعمال القلبية موافقة الأمر (واجتنا) موافقة الأمر امتثالا، واجتناب النهي تركًا، هذا الذي يدل على صحة وجود هذه الأعمال القلبية، فاتباع الأوامر واجتناب النواهي هو العبادة بالمعنى الاسمي، والتذلل والخضوع والمحبة مع تمام الجميع هو العبادة بالمعنى المصدري، ولابد من اجتماعهما معًا، بمعنى أن كلام شيخ الإسلام وكذلك ابن كثير لا يراد به المعنى الاسمي فحسب، مجرد أعمال واعتقادات بالقلب دون ذل وخضوع، بل لابد من ماذا؟ نعم، من اجتماعهما معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت