يعني تنفذ ما قدرت؛ لأن الأصل في لسان العرب أن الخلق بمعنى التقدير ثم قد يفري بمعنى ينفذ، وبعض القوم يخلق ثم لا يفري، يعني لا يقدر، يقدر في نفسه سأفعل سأفعل مثل الطلاب يحفظ يحفظ يحفظ بعدين ما يحفظ، نقول هذا كله تقدير لكنه لا يوجد في الواقع شيء، فهو أشبه ما يكون بسوف ونحوها، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ} عالمان من عوالم الخلق خلقهم الله جل وعلا للحكمة (الذي) التي ذكرها {إِلَّا} هذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي ما خلقت الجن والإنس لأي شيء من الأشياء ولأي حال من الأحوال ولأي صفة من الصفات إلا لصفة واحدة وهي تحقيق العبودية، {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (اللام) هذه لام الحكمة، ويعبدون (النون) هذه نون الوقاية وليست (نون) الرفع؛ لأنها حُذفت للناصب المقدر بعد (اللام) ، إذن هذه الآية أفادت ماذا؟ أفادت أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الرب جل وعلا، فحينئذ ماذا ينبغي على العبد؟ إذا علم أنه ما خُلق إلا من أجل هذه الحكمة لم يُخلق عبثًا ولا لعبًا ولا لهوًا، وإنما خُلق ليحقق هذه العبودية لله جل وعلا، فحينئذ تقتضي هذه الآية أمرين: الأمر الأول: أفادت الحكمة من الخلق. الثانية: أمرهم بهذه الحكمة، فهذه الآية اقتضت ماذا؟ اقتضت أمر الجن والإنس بتحقيق الحكمة التي خُلقوا من من أجلها، فإذا لم تدل الآية على هذا، حينئذ صار مجرد الإخبار فيه نوع عبث، فلابد من حمل الآية على أنها تضمنت أمرين بيان الحكمة. وثانيًا: أمرهم بـ هاه؟ بالعمل بما يوافق هذه الحكمة، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا} {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الحكمة من الخلق يجب عليهم أن يحققوا هذه الحكمة، ويعبدون (معنا) معناه يفردوني بالعبادة، وهذا هو معنى التوحيد الذي أرسل الله الرسل من أجله وأنزل الكتب من أجل تحقيق هذا المعنى. {لِيَعْبُدُونِ} يعني يفردوني بالعبادة، هذا هو المشهور، وإذا قيل يعبدون معناه يوحدون حينئذ فسرت العبادة ببعض أجزائها، فسرت العبادة ببعض أجزائها؛ لأننا نقول العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، منه أصل الأصول وهو التوحيد فحينئذ إذا بين أن الحكمة التي خلق من أجلها الخلق هي العبادة لا تختص بالتوحيد فحسب بل العبادة هي التوحيد وفروع التوحيد، أليس كذلك؟ لأن الأوامر والنواهي هي من فروع التوحيد وليست هي عين التوحيد، فحينئذ يعبدون أي يوحدون، نقول: هذا فسر اللفظ ببعض أجزائه وهو وارد عند العرب، ولذلك قال ابن عباس: كل أمر في القرآن اعبدوا الله معناه وحدوا الله.