الصفحة 57 من 166

جيد هذا، موجود في بعض النسخ أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، ـ هذا جيد ـإذن ليعبدون. قول عليّ ـ رضي الله تعالى عنه ـ يؤيده ماذا؟ قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} وكذلك قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} إذن العبادة تفسر بالأمر والنهي؛ ولكن المراد بالعبادة هنا، العبادة الشرعية لا العبادة الكونية؛ فالعبادة الكونية هي: الخضوع لأمر الله الكوني، وهذا عام ليس محلًا للمدح والثناء لأنه يشمل الكافر والمؤمن والبر والفاجر. {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} هو معبود ـ عبد الله تعالى ـ لكنه عبد قهري لا عبد اختياري، والذي هو محل للمدح والثناء والابتلاء والاختيار هو عبودية الاختيار التي يُعنون لها بالعبودية الشرعية، وهي: موافقة أمر الله تعالى الشرعي، وهذه تختص بالمؤمنين بمن أطاع الله تعالى واستجاب لرسله دون المكذبين من الكفار والمشركين. {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} هذا خاص بـ بالمؤمنين. إذن {لِيَعْبُدُونِ} المراد به العبادة الشرعية، هل فعل الله تعالى الأول ليفعل بهم الثاني؟ أم فعل بهم الأول ليفعلوا هم الثاني؟ هذا معنى العبودية الكونية والعبودية الشرعية. إذا قلنا المراد به العبودية الشرعية حينئذ ـــ خلقت ليعبدون، خَلَقَ هو ليفعلوا هم العبادة لا ليفعل بهم العبادة، أو نقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} هو فعل الخلق وهو فعل العبادة بهم، نقول: هذه عبادة كونية حينئذ لا يوجد عاصي لله تعالى إذا فُسّر بهذا المعنى. إذن فعل الأول ليفعلوا هم الثاني، كما أرسل الرسل من أجل أن يطاع فقد يطيعوا وقد لا يطيعوا، حينئذ نقول: هذا أمر شرعيٌ، فعل الأول؛ ليفعلوا هم الثاني. [فَإِذَا عَرَفْتَ] يعني من الآية السابقة، والمعرفة هنا المراد بها العلم يعني الجازم، العلم الجازم، فإذا عرفت من الآية السابقة أن الله خلقك لأنك واحدٌ من الإنس، ونحن تركنا بعض المفرادات هنا لأننا شرحنا الآية في؟ الأصول الثلاثة. {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} هنا نفيٌ وإثبات، وهذا أعلى صيغ الحصر. لم يُخْلَقوا لشيء من الأشياء إلا للعبادة. (ما، إلا) أعلى صيغ الحصر. (ما جاء إلا زيد) ما: نافية. و (إلا) هذه: للاستثناء فإذا عرفت وجزمت من الآية السابقة أن الله خلقك، وأنت واحد من الإنس، خلقك لماذا؟! لعبادته لا عبثًا ولا لعبًا ولا لهوًا، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} إذا عرفت هذه المقدمة فثَمّ مقدمة أخرى تنبنى عليها. [فَاعْلَمْ] (الفاء) هنا: للترتيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت