ذكرنا في ما سبق أن المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ قدم مقدمة قبل ذكر القواعد الأربعة التي يميّزُ بها بين المسلم ووالمشرك، أو مذهب المسلمين ومذهب الموحدين هذا كله جواب، فهذه القواعد الأربعة، قلنا قد مقدمة مشتملة على بيان حقيقة ملة إبراهيم - عليه السلام -، وأنها عبادة الله تعالى بالإخلاص عبادة الله تعالى بالإخلاص، وهذا محل وفاق بين بين الرسل، وإنما النزاع الذي وقع بين الرسل وأقوامهم في هذا النوع من أنواع التوحيد الثلاث، وأما ما يذكره المصنف دائمًا في سائر كتبه أنه يقول: والتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة هذا لا يُنتقد على المصنف، لماذا؟ لأنه لم يرد أن التوحيد كله محصور في هذا الحد؛ لأن هذا الحد إفراد الله تعالى بالعبادة خاص بنوع من الأنواع الثلاث، وهذه الأنواع الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، لم يحصل النزاع بين الرسل وأقوامهم في الاعتراف بجملة هذه الأنواع الاثنين يعني توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات باعتبار أفرادها، فلما لم يكن النزاع بين الرسل وأقوامهم في أن الله تعالى هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي والمميت إلى آخر ما سيذكره في القاعدة الأولى، حينئذ كان التوجه إلى أي شيء؟ إلى صرف هذه العبادة لغير الله تعالى، فلما صُرفت لغير الخالق الحق ولغير المالك الحق، حينئذٍ وقع النزاع والصراع بين الرسل وأقوامهم فيمن تُصرفُ له العبادة، وليس فيمن هو الخالق أو القادر على الاختراع كما يقوله الأشاعرة وجماهير المتكلمين من المتأخرين، ومن نحا نحوهم، حينئذ لما صرفوا مفهوم التوحيد الذي دل عليه قوله لا إله إلا الله، الذي المراد به لا معبود بحق إلا الله، صرفوه إلى ماذا؟ إلى فرد من أفراد الربوبية، ضلوا وأضلوا، ضلوا في أنفسهم، وأضلوا غيرهم من حيث تجويز صرف العبادة لغير الله تعالى؛ لأنه إذا صرف نوعًا أو أنواعًا من العبادات لغير الله تعالى حينئذ لا يكون مناقضًا لـ لا إله إلا الله، لأن ذاك المشرك الذي يتقرب بالقرابين إلى الغير والصنم والوثن ونحو ذلك هو يقول لا إله إلا الله، ويعتقد في قلبه مدلول هذه الكلمة وهو لا قادر على الاختراع إلا الله، هذا لم يختلف فيه اثنان وكل من خالف في هذا فإنما خلافه خلاف في الظاهر لا في الباطن كما سيأتي، حينئذ نقول هذه الكلمة مدلولها لا معبود بحق إلا الله تعالى، ولذلك خصها بالذكر هنا، قال: أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين، وخص هذه الجملة ببيان ملة إبراهيم - عليه السلام - دون النوعين الآخرين من نوعي التوحيد، لأن هذين النوعين لم يحصل فيهما نزاع بين الرسل ووأقوامهم إذا فهمت هذه العبارة على وجهها قد فصلناها من حيث الأركان والشروط في شرح الأصول الثلاثة وفُهم ما يضادها ويناقضها وهو الشرك الأكبر حينئذٍ لابد من معرفة هذه القواعد الأربعة، لفهم حال المشركين الذين قاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وما هي حجتهم في صرف العبادة لغير الله تعالى وماذا كانوا يعبدون من دون الله، وما الفرق بين مشركي زمان المصنف ومن بعده مع مشركي ذلك الزمان الذي بعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك قال: لا نجاة من الشرك ولوثة الشرك إلا بمعرفة هذه الأربع القواعد