الصفحة 80 من 166

قال تعالى: ... {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة21 {الَّذِي جَعَلَ} البقرة22 وبدأ يعدد بعض مفردات توحيد الربوبية ثم قال: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة22 (الفاء) هذه {فَلاَ تَجْعَلُواْ} (فاء) هذه للتفريع، يعني يتفرع عما سبق من الإقرار بكون الله تعالى هو الخالق وما إلى ذلك، لا {تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا} البقرة22 لأن جعل الند لله يستلزم ماذا؟ يستلزم أن تجعل له من خصائص الربوبية، وأنت قد أقررت أولًا بأن الله تعالى منفردًا بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، حينئذ وقع التناقض من جهة العقل ووقع مخالفة الشرع، قال الطبري وابن كثير في هذه الآية، {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة22 أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره لا رب يرزقكم غيره والآيات هذه التي تذكر في هذا المقام كثيرة لكن ما ذكره المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ في فيه الكفاية، ولذلك قال ابن كثير في بيان هذه الآية يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانية ربوبيتة على وحدانية ألوهيته وهذا قلنا من طريقة القرآن في إثبات توحيد الألوهية أنه يحتج عليه بتوحيد الربوبية، أي: فكيف تُصرَفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء ومتصرف كل شيء ومنه قوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ} الرعد16 قال ابن كثير: يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو لأنهم معترفون، معترفون أي: المشركون معترفون بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض وهو ربها ومدبرها، قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون، أقر به المشركون، وقلنا هذا لا خلاف فيه في الجملة، وهو أمر قطعي دل عليه ما تواتر من الآيات والسُنة، وكانوا يعبدون مع الله غيره، أقر به المشركون، وكانوا يعبدون مع الله غيره، ويحبونهم كما يحبونه يعني محبة ثابتة لله وثابتة لمعبوداتهم، بل هي غاية المحبة، قدموا أرواحهم من أجل الدفاع عن أوثانهم وأصنامهم، فدل على أن المحبة هنا قد بلغت الغاية، ويحبونهم كما يحبونه، فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم، حجة عليهم، يعني في إثبات توحيد الألوهية، وقال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: والإلهية التي دعت إليه الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة، والتأليه هي العبادة والتأليه يعني الخلاف والنزاع بين الرسل وأقوامهم في توحيد الإلهية وليس في كون الرب جل وعلا منفردًا بصفة الخلق أو نحو ذلك، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به فإنه يلزم من الإقرار به، الإقرار بتوحيد الإلهية، وقال في الدرر: لم يقل أحد من الكفار أن أحدًا يخلق، لم يقل أحد من الكفار أن أحدًا يخلق أو يرزق أو يدبر أمرًا، بل كلهم يقرون أن الفاعل لذلك هو الله، يعني أقروا بجملة من مفردات توحيد الربوبية، وهم يعرفون الله بذلك وهذا الإقرار لم يدخلهم الإسلام ولا أوجب الكف عن قتالهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت