مر معنا ذكر القاعدة الأولى من القواعد الأربعة لشيخ الإسلام (محمـ) محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ وذكرنا أن هذه القاعدة قطعية يقينية، يقينية قطعية بمعنى أنها مجمع عليها وهي ظاهر النص، وهي ظاهر النصوص ـ نصوص الوحيين ـ وأن مدار هذه القاعدة على أن الكفار المشركين الذين بُعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحلّ دماءهم وسبي نسائهم ونحو ذلك، كلهم مقرون بِـ بجملة من أفراد توحيد الربوبية، بمعنى أن الله هو الخالق لا خالق غيره، وأن الله تعالى هو الرازق ولا رازق غيره ونحو أفراد الربوبية مما يشابه هذه المسائل، ومع ذلك لم يُحكم عليهم بأنهم مسلمون، إذن ليس التوحيد الذي جاءت به الرسل هو توحيد الربوبية، وليس الشرك الذي يُحكم على فاعله بأنه الشرك الذي رتب عليه الشرع تحريم دخول الجنة، والبقاء أو الخلود في النار هو الشرك في الربوبية، مع التسليم بأن الربوبية يكون فيها شرك كذلك، أكبر وأصغر. لكن الذي وقع فيه النزاع ووقع فيه الصراع بين الرسل وأممهم وأقوامهم هو؟ توحيد الألوهية، وليس هو توحيد الربوبية. وللأسف في هذا الزمن مع هذه القاعدة القطعية مع ذلك هناك من ينازع في هذه المسألة أيضًا ويقول: لا إله إلا الله يعني: لا خالق إلا الله، ولا إله إلا الله يعني: لا قادر على الاختراع إلا الله، ولا إله إلا الله يعني: لا حاكم إلا الله. فحينئذٍ خصّ مدلول لا إله إلا الله، بماذا؟ بأفراد توحيد الربوبية، ونقول هذا بدعة ـ التخصيص بدعة ـ ولو قيل بأن ما ذُكر من التفسير هو ممن مدلول لا إله إلا الله لقيل هذا حق ولا نخالف ولا نخطّئ فضلًا عن أن نُبدِّع؛ لكن كونه يقال بأن هذا اللفظ لا إله إلا الله مدلوله مطابقة الذي دلت عليه مطابقة من كل وجه هو أنه لا خالق إلا الله نقول هذا هو توحيد أبي لهب وأبي جهل، وليس هو (توحيد) أوالتوحيد الذي جاءت به الرسل [أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوُ الْخَالِقُ ـ لا غيره ـ الْمُدَبِّرُ ـ لا غيره ـ وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُدْخِلَهُمْ فِي الإِسْلامِ] وعشرات الآيات تدل على هذا المعنى، حينئذٍ لما كثرت النصوص في هذا المعنى وجب التسليم وأي نص يرد محتمل أنهم لا يقرون بتوحيد الربوبية، وعلى جهة الخصوص الجمل الكبرى في توحيد الربوبية كالخلقِ والرّزقِ والتدبيرِ والملكِ حينئذٍ نقول يُؤول على هذا الأصل؛ لأن الصوفية ـ مثلًا ـ يُنازعون في هذا لأن توحيدهم توحيد الربوبية، الصوفية توحيدهم هو توحيد الربوبية. فإذا قلت بأن الكفار مُقرّون بتوحيد الربوبية ينتفضون، لماذا؟ لأنك أخرجتهم من الملة، صحيح؟ إذا قرّروا أن التوحيد هو توحيد الربوبية ـ هذا عندهم ـ، فإذا أثبت بأن الكفار مقرّون بتوحيد الربوبية، هذه مشكلة عندهم، وتحتاج إلى حل؛ ولذلك عندهم ردود وشُبه إلى آخره. ولذلك لا تجد صوفي يُقر بأن الكفار، ماذا؟ مُقرون بتوحيد الربوبية، وعندهم أدلة، نقول: هذه الأدلة إن ثبتت ولم يكن ثَمّ تحريف الكلم عن مواضعه، نقول: هذا محتمل، وهو مؤول بالأصل العام على قاعدة أهل السُنة والجماعة في الاستدلال.