(وعند فقد الوصف لا يشتق) إذًا لا يصح عند فقد الوصف، يعني إذا لم تتصف الذات بمدلول المصدر لا يصح أن يشتق؛ لأن الاشتقاق بأنواعه الثلاث لابد أن يشترك المشتق والمشتق منه في المعنى، لابد أن يكون المعنى موجودًا في المشتق منه كما أنه موجود في المشتق، فنقول: عالم لأنه ذات متصفة بالعلم، قدير لأنه ذات متصفة بالقدرة، بصير لأنه أو يدل على ذات متصفة بالصبر، سميع ... الخ. أما عند أهل البدع من المعتزلة ومن على شاكلتهم فعندهم يجوز أن يكون مشتقًا بلا دلالة على صفة؛ ولذلك يؤولون ويحرفون يقولون: عليم بلا علم، يعني ذات اتصفت بالعلم لكن بالذات لا بصفة زائدة على الذات، ولذلك يقولون: يسمع بذاته لا بصفة زائدة على الذات، يعلم بذاته لا بصفة زائدة على الذات الخ. الحاصل أنه لابد من اشتراط المعنى بين المشتق والمشتق منه، إن انتفى المعنى عن المشتق منه نقول: بطل الاشتقاق لفوات الشرط؛ لأن ما ترتب على الشرط يفوت بفوات الشرط، لابد من وجود المعنى.
ولو مجازًا هذا للخلاف هل يُشتق من المعنى المجازي أو لا؟ فيه نزاع، وسبق أن الشيخ الأمين رحمه الله صححه وقال: أنه يصح التمثيل بقولهم: الحال ناطقة بكذا؛ لأن الحال ما تنطق ما تتكلم التي هي صفة، قال: هذا مشتق من النطق بمعنى الدلالة، لا من النطق بمعنى التكلم، وهو مجازٌ مفرد. الاشتقاق قلنا: ثلاثة أنواع: اشتقاق صغير، اشتقاق كبير، اشتقاق أكبر. إن كان هناك تناسب في المعنى واللفظ والترتيب فهو الصغير، إن كان هناك تناسب في المعنى واللفظ دون الترتيب فهو الكبير، وإن كان هناك تناسب في المعنى وأكثر الحروف ويكون باقي الحروف من مخرجٍ الحروف الأصلية، أو من مخرجٍ مقارب لها أي مخرجين متقاربين فنقول حينئذٍ: هذا اشتقاق أكبر. الذي يبحث عنه الصرفيون والأصوليون هو الأول؛ ولذلك هو الذي يقدم عندهم، المبحث هذا يبحث في كتب الصرف، كما أنه يُبحث في كتب الأصول، وهذا يدل على أنه ثَمَّ علاقة بين الصرف والأصول، لا يمكن أن يكون أصوليًا إلا إذا كان على علم بالصرف والنحو:،
وَالاِشْتِقَاقُ رَدُّكَ اللَّفْظَ إِلَى ... لَفْظٍ وَأَطْلِقْ فِي الذِّي تَأَصَّلاَ
وَفِي المَعَانِي وَالأَصُولِ اشْتَرِطَا ... تَنَاسُبًا بَيْنَهُمَا مُنْضَبِطَا
لاَبُدَّ فِي الْمُشْتَقِّ مِنْ تَغْيِيرِ
مُحَقَّقٍ أَوْ كَانَ ذَا تَقْدِيرِ
هذا الشرط لابد منه نسيته بالأمس، وهو أنه لابد أن يكون بين المشتق والمشتق منه تغيير في اللفظ، ضَرَبَ ضرْبٌ حصل تغيير في اللفظ وهو فتح الثاني، حصل التغيير هنا بالحركة ضَرْبٌ هذا مصدر فعْلٌ بإسكان الثاني، اشتققت منه ضَرَبَ، إذًا لابد أن يكون ثَمَّ تغيير في اللفظ بين المشتق والمشتق منه، حصل التغيير هنا بالحركة، حصل بالحركة؛ لأن عين المصدر ساكنة، وعين الفعل الماضي هنا متحركة بالفتح، إذًا حصل التغيير،
لاَبُدَّ فِي الْمُشْتَقِّ مِنْ تَغْيِيرِ
مُحَقَّقٍ