رابعًا: قال: ابن حجر رحمه الله تعالى: (وقد استقر عملُ الأئمة المصنِفين على افتتاح كتبُ العلم بالتسمية) . وهذا إجماعٌ عمليٌ من العلماء، كلُ من بدأ كتابًا فإنه يفتتح بالتسمية"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وهذا أيضًا جريًا على القاعدة المطّردة عندهم أنهم يقولون في مقدمات الكتاب: أن ثَمَّ أمورًا تجب وأمورًا تُستحب، لابد من أمور، منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، أربعة واجبة وأربعة مستحبة، الواجبة: البسملة هذه واحدة، الحمدلة، الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -، التشهد، هذه أربعة أمور عندهم واجبةٌ، لكن ليس الوجوب الشرعي يأثم من تركه, لا، وإنما الوجوبٌ الصناعي، يعني من أراد أن يُصنف على ما جرى عليه العلماء المصنفين فلابد أن يلتزم هذه الأربعة أمور، فإن ترك واحدًا منها توجه له أو عليه اللوم والعتب، أما الأربعة المستحبة فهي: أن يأتي بـ (أما بعد) ، وأن يُسمي نفسه، وأن يُسمي كتابه، وبراعة الاستهلال: أن يأتي في كلامه في ديباجة خطبته بما يُشير إلى المقصود، إن كان يُؤلف في النحو فيأتي بألفاظ الرفع والخفض والنصب مثلًا في خطبته، إن كان يتكلم مثلًا عن الربا يأتي بآية التحريم الربا ونحو ذلك.
إذًا أربعة أمور واجبة وأربعة مستحبة، والمراد بالوجوب: الوجوب الصناعي، والاستحباب: الاستحباب الصناعي. إذًا أربعة أمور واجبة وجوبًا صناعيًا، وأربعة أمور مستحبة استحبابًا صناعيًا، وامتثل الناظم في الأول وبسمل وأتى بالبسملة. البسمله لها أو يأتي البحث عنها من وجوه، ولكن الذي يعنينا هنا مادام نتكلم في فن الصرف نتكلم عنها من جهة صرفية، وإن بقي وقت تكلمنا عنها من جهة المعنى والإعراب، وإن سبق شيء من الإعراب في مقدمة المُلحة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذه من جهة اللفظ خمسة ألفاظ خمس مفردات: الباء، ولفظ اسم، ولفظ الجلالة الله، ولفظ الرحمن، ولفظ الرحيم، هذه يتعلق ببعضها فن الصرف، أما الباء فلا مجرى للصرفيين فيه، لِمَ؟ لأنه حرف، قال ابن مالك:
حَرْفٌ وَشِبْهُهُ مِنَ الصَّرْفِ بَرِيْ
إذًا الحرف لا يتعلق به مبحث الصرفيين فلا نتكلم عنه، لكن من جهة المعنى كما يذكره الشُرّاح أن الباء للاستعانة، أو للمصاحبة على وجه التبرك، أو للملابسة، والمعاني متقاربة وتُحمل على الجميع؛ إذ لا مُنافاة بين المعاني الثلاثة: المصاحبة والاستعانة والملابسة، بقي لفظ اسم، ولفظ الجلالة، والرحمن، الرحيم، أربعة ألفاظ، أما اسمٌ لفظ اسمٍ فهذا فيه نزاع بين الكوفيين والبصريين من جهة الاشتقاق، فهو عند البصريين ناقصٌ واوي، ناقص يعني لامه حرف من حروف العلة، قال النيساري:
مَا اعْتَلَّ لاَمًا كَحَمَيتُ مَرْبَعَهْ ... سُمِّيَ مَنْقُوصًا كَذَا ذَا الْأَرْبَعَهْ
مَا اعْتَلَّ لاَمًا كَحَمَيتُ مَرْبَعَهْ ... سُمِّيَ مَنْقُوصًا